‏إظهار الرسائل ذات التسميات حوادث. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حوادث. إظهار كافة الرسائل

انقلاب حافة تنقل عمال مصنع رنو بطنجة

انقلاب حافة تنقل عمال مصنع رنو بطنجة









اصيب 28 شخصا بجروح اربعة منهم نقلوا في حالة جد حرجة الى قسم المستعجلات التابع للمستشفى الجهوي محمد الخامس بمدينة طنجة، في حادث انقلاب سيارة لنقل العمال على مستوى طريق البحرين الجديدة



سيارة نقل العمال التابعة لشركة اوطاسا الاسبانية تعرضت لعطب في المحرك بالطريق التي تم تدشينها مؤخرا على مستوى منطقة العوامة في اتجاه طريق المطار، مما ادى الى انقلابها في منحدر.

وبالامس، وفي نفس الطريق اصيب اربعة اشخاص بجروح اثنين منهم ادخلوا قسم الانعاش بمستشفى طنجة نتيجة اصابتهم بجروح خطيرة بعد اصطدام سيارتين كانت احداهما تنقل احد افراد الجالية المغربية واسرته الذين وصلوا للمدينة عبر مطار طنجة الدولي.                                       








انقلاب حافة تنقل عمال مصنع رنو بطنجة

المسطرة في المحاكم المالية

المسطرة في المحاكم المالية




مقدمـــــــــــــــــة :
لا شك ان المال العام هو الوسيلة الأساسية التي تديرها الدولة من اجل سد الحاجيات اليومية لمختلف مؤسسات الدولة ومن خلالها حاجيات مختلف الفئات الاجتماعية لتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية.
وقد تجسد الاهتمام الدولي بالمال العام في شخص عدة هيئات دولية واقليمية كما هو الحال بالنسبة لانتوساي والافروساي والاربوساي والتي تبنت مبادئ عامة للاهتداء إليها في مختلف الدول الأعضاء لأجل إقرار أنظمة وهيئات فاعلة لحماية المال العام .
من تم كانت الحاجة ملحة في المغرب ، شأنه في ذلك شأن مختلف الدول، لإيجاد آليات الرقابة العليا على المال العام التي بواسطتها يتم ضبط مراقبة التوجهات المرسومة من طرف ممثلي الشعب بمقتضى قوانين المالية ومالية الجماعات المحلية والرامية الى تحصيل الموارد وصرف النفقات في الأوجه المحددة بمقتضى القانون من اجل سد حاجيات المواطنين عبر المرافق العامة سواء على المستوى الوطني او المحلي .
هكذا فبعدما يمر قانون المالية من المراحل اللازمة لإصدار الأمر بتنفيذه ويصبح ساري المفعول فانه يوكل مهام تنفيذه الى فئة معينة من الموظفين العمومين هم الآمرون بالصرف والمحاسبون العموميون .
وتخضع هذه الفئة لعدة انواع من الرقابة تتمثل في الرقابة الادارية التي يمارسها الجهاز الاداري المنتمون اليه ورقابة وزارة المالية في شخص المفتشية العامة للمالية، ثم الرقابة التي تمارسها المحاكم المالية .
وتتجسد الرقابة على المال العام في الرقابة على اعمال هؤلاء الاشخاص الساهرين على ادارة هذا المال من خلال الرقابة على اعمال تحصيل المداخيل وادارتها وصرف النفقات طبقا لقانون المحاسبة العمومية الصادر بتاريخ 14 ابريل 1967 وقانون 99-61 المتعلق بتحديد مسؤولية الامرين بالصرف والمراقبين والمحاسبين العموميين.
وقد اختار المغرب نهج الأنظمة اللاتينية بإيجاد مؤسسات قضائية معنية بذلك تتمثل في المجلس الأعلى للحسابات المحدث بمقتضى قانون 79-12 والذي تم الارتقاء به الى مؤسسة دستورية تعنى بممارسة الرقابة العليا على تنفيذ قوانين المالية بمقتضى دستور 1992 طبقا لمقتضيات الفصلين 96 و 97 من الدستور، ثم المجالس الجهوية للحسابات المحدثة بمقتضى قانون 99-62.
الا اننا سنقتصر في دراستنا على الرقابة القضائية بشقيها المتمثلين في البت في الحسابات ورقابة التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية دون الرقابة غير قضائية المتمثلة في رقابة التسيير ومراقبة استعمال الاموال العمومية، والتي لا تنطوي دراستها على أهمية بالغة اعتبارا لبساطة مساطر هذه الرقابة والتي تبقى محدودة الاثر ما دام انها تنتهي بتقارير غير ملزمة وعلى اعتبار ان تلك التقارير ستكون موضوع عروض لاحقة.
وتتجلى اهمية دراسة الموضوع المتعلق بالمسطرة امام المحاكم المالية باعتبار ان ضبط المساطر هي مناط حماية الحق وباعتبار المال العام هو من اهم ما ترتبط به مختلف حقوق المواطن والتزاماته اتجاه الدولة باعتباره ملزما اتجاه الدولة بالواجبات المالية المفروضة عليه بموجب القانون وباعتباره مستفيدا من المال العام من خلال التزام الدولة بسد حاجياته الأساسية.
كما تتمثل الاهمية العملية لدراسة الموضوع في محدودية الدراسات التي تعنى بالموضوع من الجانب العملي على اعتبار ان المسطرة امام المحاكم المالية تختلف عن نظيرتها امام باقي المحاكم بالتنظيم القضائي واعتبارا الى حداثة نظام المحاكم المالية بصيغته الحالية والتي لا تتجاوز الثمان سنوات.
ويتمظهر الاشكال الرئيسى للموضوع حول مدى فعالية المساطر القانونية أمام المحاكم المالية في حماية المال العام وزجر كل المخالفات الماسة به وعقلنة ترشيد العمل من اجل ضمان استعمال معقلن للمال العام ؟ ومدى استجابة العمل القضائي لروح المقتضيات القانونية التي تعنى بالرقابة العليا على المال العام؟
لهذا ارتأينا تقسيم الموضوع وفق خطة البحث التالية :
المبحث الأول : نطاق ومسطرة البت في الحسابات.
المطلب الأول : نطاق الاختصاص القضائي للبت في الحسابات.
اولا : الاشخاص المعنيون بمسطرة البت في الحسابات.
اثانيا : طبيعة المخالفات موضوع البت في الحسابات.
المطلب الثاني : الإجراءات المسطرية للبت في الحسابات .
أولا : مسطرة إحالة القضية.
ثانيا : مسطرة التدقيق والتحقيق والبت في حسابات.
ثالثا : آثار قيام المسؤولية المالية للمحاسب العمومي.
المبحث الثاني : نطاق ومسطرة التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية.
المطلب الأول : نطاق الاختصاص القضائي المتعلق بالميزانية والشؤون المالية.
اولا : الأشخاص المعنيون بمسطرة التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية.
ثانيا : طبيعة المخالفات موضوع مسطرة التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية.
المطلب الثاني : الاجراءات المسطرية للتأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية.
أولا : تحريك المتابعة.
ثانيا : إجراءات البت في القضية.
ثالثا : آثار قيام المسؤولية التأديبية.
المبحث الاول :
نطاق واجراءات البت في الحسابات.
يعتبر البت في الحسابات من اهم اختصاصات المحاكم المالية وترمي الى رصد وضعية الحسابات الممسوكة لدى المحاسبين العموميين او المحاسبين بحكم الواقع فما هي حدود هذا الاختصاص وماهي اجراءاته المسطرية.
المطلب الاول : نطاق اختصاص المحاكم المالية للبت في الحسابات.
فنطاق اختصاص المحاكم المالية في الرقابة على الحسابات يستلزم تحديد الأشخاص المعنيين بالبت في الحسابات من جهة (أولا) ثم تحديد الاختصاص الموضوعي لهاته المحاكم.
اولا : الأشخاص المعنيون بمسطرة البت في الحسابات.
استنادا الى نصوص قانون المحاكم المالية فان الرقابة القضائية لهاته المحاكم تشمل المحاسبين العمومين دون الآمرين بالصرف فقد نصت المادة الثالثة بانه ” يدقق المجلس في الحسابات التي يقدمها المحاسبون العموميون مع مراعاة الاختصاصات المخولة بمقتضى هذا القانون للمجالس الجهوية للحسابات” .
وللتعريف بهاته الفئة من الموظفين العموميين المكلفين بمساطر صرف المال العام لا بد من الرجوع الى الظهير الصادر بتاريخ 03-04-2002 بتنفيذ القانون رقم 99-61 المتعلق بتحديد مسؤولية الآمرين بالصرف والمراقبين والمحاسبين العموميين فاستنادا للمادة الاولى و المادة الثانية منه فان المحاسب العمومي هو كل موظف او عون مؤهل لأن ينفذ باسم الدولة والجماعات المحلية وهيئاتها والمؤسسات والمقاولات العمومية الخاضعة للمرقابة المالية للدولة عمليات المداخيل او النفقات او التصرف في السندات اما بواسطة اموال وقيم يتولى حراستها واما بتحويلات داخلية للحسابات واما بواسطة محاسبين عموميين آخرين او حسابات خارجية للأموال المتوفرة التي يراقب حركتها او يأمر بها.
وهو ما أكدته المادة 25 من الظهير الصادر بتاريخ ……… بتنفيذ القانون رقم 99-62 المتعلق بالمحاكم المالية التي تنص على أن المجلس يدقق في حسابات مرافق الدولة وكذا حسابات المؤسسات العمومية والمقاولات التي تملك الدولة أو المؤسسات العمومية رأسمالها كليا أو بصفة مشتركة بين الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات المحلية إذا كانت هذه الأجهزة تتوفر على محاسب عمومي،…).
الا ان هناك فئة اخرى من المحاسبين نصت عليها المادة 16 من قانون المحاسبة العمومية الصادر بتاريخ 27-04-1967 وهم أشخاص يخضعون لنفس الرقابة كلما تصرفوا في الأموال العمومية كمحاسبين عموميين وان لم يكونوا كذلك بصفة نظامية وهم المحاسبون العموميون بحكم الواقع.
وبذلك فالمجلس الأعلى للحسابات يقوم مركزيا بالتدقيق في البيانات الحسابية لمرافق الدولة والمؤسسات العمومية والمقاولات التي تعود ملكية رأسمالها كليا للدولة أو المؤسسات العمومية أو بوجه مشترك مع الجماعات المحلية، وتقوم المحاكم المالية جهويا بتدقيق حسابات الجماعات المحلية وهيئاتها وحسابات المؤسسات العمومية والمقاولات التي ترجع ملكية رأسمالها كليا للجماعات المحلية أو هيئاتها أو المؤسسات العمومية الخاضعة لوصايتها والتي تتوفر على محاسب عمومي مؤهل للقيام بعمليات المداخيل أو النفقات أو مسك السندات بواسطة أموال وقيم معهود إليه بها بموجب تحويل داخلي لحسابات أو بواسطة محاسبين عموميين آخرين أو حسابات خارجة للموجودات التي أمر بتحويلها أو مراقبتها.
ثانيا : طبيعة المخالفات موضوع مسطرة البت في الحسابات.
ان الاختصاص الموضوعي للمحاكم المالية في مجال البت في الحسابات لا يروم الى الرقابة على كل الاختصاصات الموكولة للمحاسب العمومي والمنصوص عليها في الفصل 6 من قانون 99-62 والتي تؤطر النطاق العام لمسؤولية المحاسب العمومي سواء امام وزير المالية في اطار الرقابة الادارية طبقا للفصل 8 من قانون 99-61 او امام المحاكم المالية من خلال اثبات العجز والتأديب المالي، وانما تم تضييق الرقابة في مجال البت في الحسابات لفائدة الاختصاص التأديبي في المجال المالي اذ اصبحت المسؤولية تشمل خمس حالات مقابل تسع حالات سابقا على اساس انها لا تتعلق في الجوهر بصحة الدين فقد اخرج من نطاق الرقابة القضائية بمناسبة البت في الحسابات الحالات المتعلقة بعدم التحقق من :
 صفة الامر بالصرف.
 توفر الاعتمادات.
 صحة تقييد النفقات في الابواب المتعلقة بها.
 تقديم الوثائق المثبتة.
هكذا بالبرجوع للمادة 37 من قانون المحاكم المالية فان نطاق اختصاص المحاكم المالية في مجال البت في الحسابات يتمثل في :
 عدم تبرير انجاز عمل، ذلك انه من المعلوم انه لا اداء الا بعد تنفيذ الخدمة، وتنحصر مسؤولية المحاسب في التأكد فقط من وجود اشهاد الشخص المؤهل قانونا على تنفيذ العمل وهو غالبا الامر بالصرف.
 عدم صحة حساب التصفية، اذ يراقب تحت مسؤوليته هذا الحساب بالتأكد من البيانات الحسابية والفاتورات والوثائق المرفقة لاثباتها.
– غياب التأشرة المسبقة للالتزام، وهي تأشيرة المراقب على وثائق الالتزام وانه لا يمكن تجاوز ذلك بامر بالتسخير من طرف الامر بالصرف، ويمكن للمراقب العام وضع تأشيرته والا تم عرض النزاع على الوزير الاول من قبل الوزير المعني ليتخذ مقرره في الموضوع .
 عدم احترام قواعد التقادم وسقوط الحق، بالقيام بالالتزامات الملقاة عليه في اطار مدونة التحصيل بالقيام بتحصيل الديون العمومية قبل تقادمها بمرور اجل اربع سنوات، او سقوط الحق كمثال عدم التصريح بالدين لدى السنديك في الاجل القانوني عند فتح مسطرة صعوبات المقاولة المدينة .
 عدم مراعاة قوة إبراء التسديد، بعدم الحصول من المدين على سند لابراء ذمة المنظمة العمومية بعد تسديد الدين له بعد التأكد من صفته في ذلك.
 عدم اتخاذ الإجراءات التي يتوجب على المحاسب العمومي القيام بها في مجال تحصيل الموارد.
وتنتهي عملية التدقيق في الحسابات من طرف القاضي المالي إلى إحدى الفرضيات التالية :
1- برئ الذمة : مما يعني توفر المحاسب على حسابات مدققة.
2- حساب فائض : بكون الحساب الذي يديره المحاسب يعرف فائض في الحساب.
3- حساب العجز : بوجود فارق في علاقة الموارد بالنفقات بظهور نقص في الحساب.
المطلب الثاني :
الإجراءات المسطرية للبت في الحسابات.
تعرف مسطرة البث في الحسابات التي يكون الحساب الممسوك او المدار من طرق المحاسب العمومي إجراءات مختلفة من تدقيقه وتحديد مسؤولية المحاسب العمومية بشأنه.
أولا : تحريك مسطرة البت في الحسابات.
فمن المعلوم ان الرقابة القضائية على حسابات المحاسبين العموميين تتم بشكل تلقائي لكون المحاسبون العموميون ملزمين بمقتضى مرسوم المحاسبة العمومية بعرض كل العمليات المالية التي قاموا بها على المجلس الأعلى للحسابات او المجالس الجهوية للحسابات حسب الاختصاص المحدد بمقتضى قانون المحاكم المالية، وذلك بشكل سنوي ووفقا للأشكال المنصوص عليها في النصوص القانونية والتي تحدد هذا التاريخ في 31 يوليوز من السنة المالية للسنة المالية بعدما يكون المحاسب قد قدم الحساب لرؤسائه قبل 30 مارس لاجراء التدقيقات اللازمة .
وتتسع دائرة الجهات التي لها حق اثارة تحريك المسطرة بالنسبة للمحاسب بحكم الواقع اذ يختص بذلك كل من رئيس النيابة العامة، والوزير المكلف بالمالية او الوزير المعني او الخازن العام لمملكة او المحاسبون العمومين، وذلك عن طريق ممثل النيابة العامة بالمحاكم المالية.
أما الوثائق والمستندات المثبتة للمداخل والنفقات فيتعين على المحاسبين العموميين بمرافق الدولة توجيهها إلى المجلس الأعلى للحسابات على رأس كل ثلاثة أشهر، وبخصوص المحاسبين العموميين للأجهزة الأخرى فيتعين عليهم أن يقدموا سنويا للمجلس الأعلى بيانا محاسبيا عن عمليات المداخيل والنفقات وكذا عن عمليات الصندوق التي تم تنفيذها من طرفهم، أما المستندات المثبتة لمختلف عمليات المداخيل والنفقات فيمكن تدقيقها بعين المكان.
ومن اجل ضمان تنفيذ المحاسبين العموميين لالتزاماتهم هاته فقد انيط بالكتابة العامة التابعة للرئيس الأول أو لرئيس المجلس الجهوي حسب الاختصاص، مهمة السهر على تقديم الحسابات من طرق المعنيين بالأمر في الآجال المحددة وتشعر النيابة العامة بكل تأخير في هذا الصدد وفي حالة عدم تقديم الحسابات داخل الأجل المحدد يتعرض المماطل بغرامة قد تصل إلى 1000 درهم بعدما يكون قد وجه له إنذارا بقي بدون جدوى من طرف الرئيس الأول او رئيس المجلس الجهوي بعد تقديم ملتمس النيابة العامة بهذا الشأن، كما يجوز أن يحكم عليه بغرامة تهديدية أقصاها 500 درهم عن كل شهر تأخير.
وبمجرد توصل المجلس بالحسابات تعمل كتابة الضبط بتسجيلها ثم توزيعها على الغرف حسب البرنامج السنوي المعد من قبل لجنة التقارير والبرامج المصادق عليه من قبل الرئيس الأول بتنسيق مع الوكيل العام للملك او بعد توزيع الأشغال من قبل الرئيس بالنسبة للمجالس الجهوية للحسابات وفق البرنامج السنوي.
وبناءا على البرنامج السنوي لأشغال المجلس يقوم رئيس الغرفة او رئيس المجلس الجهوي حسب الحالات، بتوزيع الحسابات والبيانات المحاسبية بين المستشارين المقررين من أجل التدقيق والتحقيق بشأنها وفقا للمسطرة المقررة في قانون المحاكم المالية.
ثانيا : مسطرة التدقيق والتحقيق والبت في حسابات.
تعتبر مسطرة التدقيق والتحقيق مسطرة الزامية ذلك ان المحاكم المالية تقوم تلقائيا بفحص الحسابات المحالة عليها لاجل تدقيقها والتحقيق بشانها بشكل تلقائي وسنوي، كما انها مسطرة كتابية ذلك انه لا محل للدفوعات او التصريحات الشفوية كما انه مسطرة سرية تجري في غياب المحاسب نفسه لكونها تهم الحساب في الاصل ولا يملك المحاسب حق حضور اجراءاتها، وان كان له الحق في حضور المحاكمة، وانما له الحق في الادلاء بمذكرته الجوابية بعدما يقوم القاضي المقرر بطلب ذلك منه دون ان يملك حق تنصيب محام للدفاع عنه بخلاف قانون المحاماة الذي يقر حق المحام للدفاع والترافع امام المحاكم والمؤسسات العمومية .
ويقوم المستشار المقرر بتدقيق حسابات المحاسب العمومي بنفسه او بواسطة مدقق تحت مسؤوليته بمقتضى الفصل 30 من قانون المحاكم المالية، الذي خوله سلطة التحري ويمكنه في هذا الإطار أن يطلب من الآمر بالصرف والمراقب والمحاسب العمومي أو أي مسؤول آخر تقديم جميع التوضيحات أو التبريرات التي يراها ضرورية وذلك في حدود الصلاحيات حسب اختصاص كل منهم والوثائق التي هم ملزمون بحفظها وإلا تعرض للغرامة التهديدية لاجباره على تنفيذ الالتزام المذكور، كما يجوز له الانتقال إلى عين المكان للقيام بجميع التحريات التي يعتبرها ضرورية من أجل إنجاز مهمته سيما فيما يتعلق بحالة تدقيق الإثباتات الممسوكة لدى المؤسسات التي تخضع للرقابة المالية غير مرافق الدولة.
ويقوم المستشار المقرر بفحص الحسابات من حيث الشكل بالتأكد من جاهزية الحسابات للتدقيق والثانية ثم من حيث الموضوع، وذلك بعد التأكد من فحص الحساب من حيث الشكل، وذلك عن طريق فحص الوثائق العامة للتأكد من قيام المحاسب بالالتزامات المفروضة عليه كما اشرنا سابقا.
وبعد نهاية مرحلة التدقيق يقوم المستشار المقرر بالتحقيق في المخالفات التي يعاينها وذلك بفحص الوثائق والمستندات المثبتة للحساب وعندما يباشر المستشار المقرر سلطاته في مواجهة الطرف المعني بالتحقيق وذلك بأمره بتقديم جميع التوضيحات أو التبريرات التي يراها ضرورية بما في ذلك إمكانية التحري بعين المكان، ويمنح للمعني بالامر أجل شهرين للجواب عليها كتابة باعتبار الطابع الكتابي للمسطرة بعد توصله بها بشكل قانوني حفاظا على حق الدفاع سيما وانه يكون محروما من توكيل محام للدغاع عنه طبقا للفصل 30 من قانون المحاكم المالية.
الا انه يمكن امهال المعني بالأمر للجواب بعد إذن من رئيس الغرفة أو رئيس المجلس الجهوي حسب الحالة.
وتنتهي مسطرة التدقيق والتحقيق باعداد المستشار المقرر لتقريرين :
يتضمن التقرير الاول نتائج التحقيق المتعلقة بالحساب أو البيان المحاسبي المصحوب بالوثائق المبررة ويسجل عن الاقتضاء الملاحظات المتعلقة بالوقائع التي من شأنها أن تثبت مسؤولية المعني بالأمر .
في حين يتضمن التقرير الثاني الملاحظات المتعلقة بالتسيير وهو موضوع المبحث الثاني.
هكذا يبدو ان المستشار المقرر يكاد يجمع بين سلطات قاضي التحقيق في القضايا الزجرية وسلطات القاضي المقرر في القضايا المدنية ، لكنه يكون ملزما في جميع الاحوال بعرض تقريره على رئيس الغرفة الذي يواصل الاجراءات بشأنه اذ يقوم باحالة التقرير الأول المتعلق بالحساب العمومي على المستشار المراجع ليدلي برأيه حوله داخل أجل شهر واحد ثم يوجه الملف كاملا إلى الوكيل العام للملك أو وكيل الملك حسب الحالة لتقديم ملتمساته الكتابية و الذي يرجعه إلى رئيس الغرفة المعنية لإدراجه في جدول الجلسات في اجل شهر.
ويرجع الحسم في وضعية الحساب الى هيئة المحكمة التي تبت في جلسة سرية استنادا على وعلى الحجج التي ترفق بالتقرير وعلى ما انتهى إليه كل من المستشار المقرر والمستشار المراجع الذين يكون حضورهما استشاريا في مداولات الهيئة، مع اعتبار مستنتجات النيابة العامة التي يتلوها ممثل النيابة العامة وفي حالة غيابه يقوم رئيس الجلسة بذلك، هذا بخلاف قواعد المسطرة المدنية التي تلزم حضور النيابة العامة اذا كانت طرفا اصليا في الدعوى طبقا للفصل 9 من ق م م .
وتتخذ هيئة الحكم قرارها باغلبية اعضائها الخمسة دون حضور ممثل النيابة العامة وكاتب الضبط اللذان ينصرفان عند المداولة.
ثالثا : آثار قيام المسؤولية المالية للمحاسب العمومي.
لا يطرح أي اشكال عندما تنتهي هيئة الحكم الى صحة حساب المحاسب العمومي ذلك اذ يؤذن حينئذ بارجاع مبلغ الضمانة المالية له .
فاذا ما ثبت عجز ميزانية المحاسب العمومي دون ان يقوم باثبات ذلك العجز بشكل قانوني خلال مسطرة التحقيق او لم يقم بالاجابة على ملاحظات المستشار المقرر فانه يكون مسؤولا ماليا.
غير انه يمكن للمحاسب العمومي دفع المسؤولية عنه في مجال تحصيل الموارد اذا اثبت انه قام بما كان عليه القيام به باعتبار ان مسؤوليته هي مسؤولية ببذل عناية لا بتحقيق نتيجة .
هكذا فاذا ما ثبتت مسؤولية المحاسب العمومي الشخصية عن العجز فانه يكون ملزما بإرجاع النقص الحاصل في حسابه بمقتضى امر تمهيدي يقترحه المستشار المقرر على هيئة الحكم في اطار التسوية الودية للنزاعن او بارجاع المبالغ المالية التي تصرح بها المحكمة كمستحقات للجهاز العمومي داخل اجل ثلاثة أشهر.
وعند عدم استجابة المحاسب العمومي للامر المذكور فانه للمحكمة اتخاذ اجراءات اكثر صرامة لتنفيذ ذلك كا صدار غرامة تهديدية قدرها 500,00 درهم عن كل شهر تأخير داخل اجل اثنى عشرة من صدور الحكم التمهيدي .
مع الاشارة الى ان قيام مسؤوليته في نطاق البت في الحساب لا يمكن ان يكون موضوعا للمسؤولية في مجال التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية على اساس القاعدة الفقهية بانه لا يعاقب على الجرم مرتين.
ويتم تبليغ الحكم النهائي المقرر لمسؤولية المحاسب العمومي طبقا لقواعد المسطرة المدنية في التبيلغ، فيما يتعلق بقرارات المجلس الاعلى للحسابات الى كل من المحاسب العمومي والوزير المكلف بالمالية والوزير المعني بالامر والخازن العام للمملكة والممثلون القانونيون للاجهزة العمومية المعنية .
لكنه في منظورنا يتعين ان يتم تبليغ المسطرة الى المسؤولين المباشرين للمعني بالامر قبل الحكم التمهيدي او النهائي حتى يمكنهم دفع المسؤولية عنه اذا كان لذلك سند قانوني ضمانا لحقه في الدفاع.
وقد تؤطر مسؤولية المحاسب العمومي في اطار مسؤولية المحاسب بحكم الواقع اذا مارس مهاما تخرج عن نطاق اختصاصه.
ويجب التنبيه الى انه اذا تعلق الامر بمسؤولية المحاسب العمومي بحكم الواقع فانه بخلاف القانون الفرنسي فان القانون المغربي حدد نفس المسطرة المتعلقة بمسؤولية المحاسب العمومي، ذلك انه يكون ملزما برد المال الناقص الى صندوق المنظمة العمومية، الا انه كما انه يمكن ان يكون محل تحريك الدعوى العمومية في حقه وفقا للفصل 380 من القانون الجنائي بتهمة انتهال صفة، بعد اخبار ممثل النيابة العامة او رئيس المجلس الاعلى للحسابات لوزير العدل بوضعية المحاسب بحكم الواقع او بتهمة اختلاس الاموال العمومية، كما يمكن متابعته وفقا للفصل الاول من قانون المالية الذي يحرم استخلاص الضرائب والجبايات بدون سند قانوني .
الا ان ما تجب الاشارة اليه هو ان المتابعة الجنائية للمحاسب العمومي تغل يد القاضي المالي عن النطق بالغرامة في حقه ، الا انها تفتح المجال امامه لكي يصرح بحالة المحاسب بحكم الواقع اذا كان القضاء الجنائي هو السباق للمتابعة، وانه يمكن للمنظمة العمومية ان تتدخل كطرف مدني في الدعوى العمومية لاسترجاع المبالغ التي استولى عليها المحاسب بحكم الواقع.
الا ان تقرير المسؤولية المالية للمحاسب العمومي لا يعفيه من المسؤولية المدنية و المسؤولية التأديبية الادارية طبقا للفصل 111 من قانون المحاكم المالية.
المبحث الثاني :
نطاق ومسطرة التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية.
يتسع نطاق المسطرة المتعلقة بالتأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية كما تتميز مسطرته عن مسطرة البت في الحسابات.
المطلب الاول : نطاق مسطرة التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية.
فاذا كانت مسطرة البت في الحسابت تتعلق بشق من اختصاصات المحاسب العمومي كما اسلفنا في المبحث الاول، فان مسطرة التأديب المتعلق بالميزانية و الشؤون المالية يسري على المحاسب العمومي في الشق الثاني من اختصاصاته كما تسري على الامرين بالصرف والمراقبين في حدود معينة وهو ما سنتناوله في النقط التالية.
اولا – الاشخاص المعنيون بمسطرة المتعلق بالميزانية والشؤون المالية.
فهذا النوع من الرقابة هي اعم واشمل من الرقابة السابقة من حيث الاشخاص المخاطبين باحكامها، ذلك انها تشمل حسابات المحاسبين العموميين والموظفون والأعوان الذين يعملون تحت سلطتهم أو لحسابهم وعلى كل مراقب الالتزام بالنفقات والمراقبون الماليون والموظفون والأعوان العاملين تحت إمرتهم أو لحسابهم، كما أنها رقابة تمارس في حق الآمر بالصرف والآمر بالصرف المساعدين وكذا الأعوان الذين يشتغلون تحت سلطتهم أو لحسابهم في نطاق اختصاصاتهم المالية.
هكذا تختص المحاكم المالية اللبث والتدقيق والتحقيق في طرق تدبير العمليات المالية العمومية من مداخيل ونفقات الميزانية العامة لتحديد المسؤولية عن اية اختلالات تشوبها ومعاقبة التجاوزات والخروقات الثايتة في حق المعنيين بالامر.
فطبقا لمقتضيات المادة 52 من نص القانون رقم 99-62 المتعلق بمدونة المحاكم المالية، تسري العقوبات المنصوص عليها في الفصل 54 من نفس القانون على كل آمر بالصرف أو آمر مساعد بالصرف أو مسؤول وكذا كل موظف أو عون يعمل تحت إمرتهم أو لحسابهم، إذا ما اقترفوا أثناء ممارسة مهامهم إحدى المخالفات المالية المنصوص عليها في الفصل المذكور.
الا انه يثتثنى من الرقابة المذكورة اهم فئة من الامرين بالصرف الذين هم الوزراء والذين يديرون المالية العامة في منبعها وهو ما يؤثر على نجاعة المحاكم المالية في الرقابة اذ لا مبرر موضوعي لاقصائهم من هذا النوع من الرقابة سيما مع محدودية الرقابة السيايسة على تنفيذ قانون المالية من خلال المصادقة على قانون التصفية وصعوبة إثارة المسؤولية الجنائية للوزراء امام المحكمة العليا او غرف محاكم الاستئناف المكلفة بزجر الجرائم المالية ارتباطا بتعقد مسطرة المتابعة الجنائية اصلا.
بخلاف الدول الانجوساكسونية التي تقر بمراقبة الوزراء عبر مؤسسة مكتب المحاسب العام الذي يعيين من طرف البرلمان كموظف سام تمتد رقابته الى الوزراء كما هو الحال في بريطانيا والولايات المتحدة.
ثانيا : طبيعة المخالفات موضوع مسطرة التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية.
ينص الفصل 54 من قانون المحاكم المالية على المخالفات المالية التي ترتب مسؤولية الاشخاص المحددين اعلاه وهي :
مخالفة قواعد الالتزام بتصفية النفقات العمومية والأمر بصرفها.
عدم احترام النصوص التنظيمية المتعلقة بالصفقات العمومية.
مخالفة القواعد المرتبطة بإثبات الديون العمومية وتصفيتها والأمر بصرفها.
حصول الشخص لنفسه أو لغيره على منفعة غير مبررة نقدية أو عينية.
إخفاء المستندات أو الإدلاء إلى المحاكم المالية بأوراق مزورة أو غير صحيحة.
مخالفة قواعد التدبير لممتلكات الأجهزة الخاضعة لرقابة المجلس.
إلحاق ضرر بجهاز عمومي، حيث يتحملون داخله مسؤوليات، وذلك نتيجة الإخلال الخطير في المراقبة التي هم مجبرون القيام بها، أو من خلال الإغفال أو التقصير المتكرر في القيام بوظائفهم الإشرافية… الخ .
كما نصت المادة 55 من نفس القانون على خضوع كل مراقب للإلتزام بالنفقات وكل مراقب مالي وكذا كل موظف أو عون يعمل تحت سلطتهما أو لحسابهما (مراقب الالتزام بالنفقات أو المراقب المالي) للجزاءات والمساءلة، إذا لم يقوموا بمهامهم والرقابة طبقا للنصوص التشريعية والتنظيمية المعمول بها، على الوثائق والمستندات المتعلقة بالالتزام بالنفقات وعلى الوثائق المرتبطة بالمداخيل وذلك قصد التأكد من :
توفر الإعتمادات.
توفر المنصب المالي.
مطابقة مشروع الصفقة للنصوص المنظمة لإبرام الصفقات العمومية لاسيما الإدلاء بالشهادة الإدارية أو بالتقرير المتعلق بتقديم الصفقة المبرر لاختيار طريقة إبرام الصفقة.
مطابقة صفقة الأشغال أو التوريدات أو الخدمات لقواعد طلب المنافسة على من يعنيهم الأمر.
مشروعية القرارات المتعلقة باقتناء العقار والاتفاقيات الموقعة مع الغير وبمنح الإعانات المالية.
كون مبلغ الالتزام المقترح يشمل مجموع النفقة التي تلتزم الإدارة بها… الخ.
الا أن مراقبي الالتزام بالنفقات والمراقبين الماليين لا يخضعون لمقتضيات الفقرة الثالثة من المادة 66 والتي تنص على أنه : ” … إذا ثبت للمجلس أن المخالفات المرتكبة تسببت في خسارة لأحد الأجهزة الخاضعة لرقابته، قضي على المعني بالأمر بإرجاع المبالغ المطابقة لفائدة هذا الجهاز من رأسمال وفوائد، وتحسب الفوائد على اساس السعر القانوني ابتداءا من تاريخ ارتكاب المخالفة… “.
إلا انه لا يوجد مبرر لهذا الاستثناء على سيما اذا كان هؤلاء الموظفون متواطئون مع الامر بالصرف و المحاسب بقصد إعفاء الملزم من التزامات مالية عبر تغاضيهم عن المراقبة اللازمة لاستيفاء ديون المنظمة العمومية ؟ .
وطبقا للمادة 56 فأنه يخضع للعقوبات المنصوص عليها في الفصل كل محاسب عمومي وكذا كل موظف أو عون يعمل لحسابه وتحت سلطته، إذا لم يمارسوا أثناء ممارسة وظائفهم المراقبات التي هم ملزمون بالقيام بها طبقا للنصوص التشريعية والتنظيمية المطبقة عليهم والمتعلقة ب :
صفة الآمر بالصرف.
توفر الاعتمادات.
صحة تقييد النفقات في أبواب الميزانية المتعلقة بها.
تقديم الوثائق المثبتة التي يتعين عليهم طلبها قبل أداء النفقات طبقا للنصوص التنظيمية المعمول بها.
كما أنهم من ناحية أخرى، يتعرضون للمساءلة والجزاءات المقررة وذلك في حالة ثبوت اقترافهم للأعمال التالية :
إذا لم يقوموا بمراقبة مشروعية تحصيل وتنزيل المداخيل المرصدة في صناديقهم.
إذا أخفوا المستندات أو أدلوا إلى المجلس بوثائق مزورة أو غير صحيحة.
إذا حصلوا لأنفسهم أو غيرهم على منفعة أو مصلحة غير مبررة نقدية كانت أو عينية.
وقد استثنت المادة أعلاه المحاسب العمومي الذي حكم عليه بالعجز طبقا لمقتضيات المواد من 37 إلى 40 من المتابعته لنفس الأسباب في ميدان التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية، وتبعا لذلك فهو يثتثنى من مقتضيات الفقرة الثالثة من المادة 66 على اعتبار انه يتم تطبيق المادة المذكورة عليه في اطار البت في الحسابات.
المطلب الثاني :
الاجراءات المسطرية التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية.
بخلاف مسطرة البت في الحسابات فان مسطرة التأديب المتعلق بالميزانية تتميز بمسطرة خاصة في طريقة تحريك المتابعة وفي سير المسطرة ومن حيث الآثار.
أولا : تحريك المتابعة.
طبقا للفصل 57 من قانون المحاكم المالية فان تحريك المتابعة مسند للوكيل العام او وكيل الملك بالمجلس الاعلى للحسابات تلقائيا او بطلب من الرئيس الاول او احدى هيئات المجلس، كما يمكن ان يتوصل الوكيل العام بتقارير الرقابة او التفتيش مشفوعة بالوثائق المثبتة تستوجب المتابعة من الهيئات التالية :
– الوزير الاول.
– رئيس مجلس النواب.
– رئيس مجلس المستشارين.
– الوزير المكلف بالمالية.
– الوزراء فيما يخص الأفعال المنسوبة الى الموظفين والأعوان العاملين تحت سلطتهم، أو العاملين في المؤسسات الخاضعة لوصايتهم.
وبالنسبة للمجالس الجهوية للحسابات فان القضية ترفع بواسطة وكيل الملك الى المجلس من طرف وزير الداخلية والوزير المكلف بالمالية بعد الادلاء بتقارير الرقابة او التفتيش مشفوعة بالوثائق المثبتة طبقا للفصل 138 من قانون المحاكم المالية.
وإذا اقتنع الوكيل العام او كيل الملك حسب الحالة ، بثبوت الأفعال في حق المعنيين بالأمر فانه يقوم بالمتابعة ويتقدم الى رئيس المجلس بملتمس تعيين مستشار مقرر مكلف بالتحقيق ويبلغ المعنيين بالامر بالمتابعة وفقا لقواعد المسطرة المدنية في التبليغ، كما يخبر الوزير المعني ووزير المالية والوزير الوصي على الادارة التي يعمل بها المتابع.
الا انه اذا لم يقتنع بثبوت الافعال المنسوب للمعني بالامر فانه يحفظ القضية بقرار معلل ويبلغ ذلك للجهة التي عرضت عليه القضية، ان ان قرار الحفظ هذا ليس قرار نهائيا وان كان لا يقبل الطعن وانما يمكن التراجع عنه كلما ظهرت وسائل جديدة للإثبات المخالفات المنصوص عليهل بالفصول من 54 الى 56 من قانون المحاكم المالية .
ثانيا : إجراءات التحقيق و البت في القضية.
يقوم المستشار المقرر المكلف بالتحقيق المعين بجميع التحريات لدى جميع الاجهزة العمومية والخاصة والاطلاع على جميع الوثائق والاستماع لجميع الأشخاص الذين يرى بقيام مسؤوليتهم، كما يقوم بالاستماع الى الشهود وفقا لقواعد المسطرة الجنائية بحضور كاتب للضبط الذي يحرر محاضر الاستماع .
لكنه اذا لم يمتثل المعني بالامر لطلب تقديم الوثائق والمستندات او يرفضون الاستجابة للاستدعاءات الموجهة اليهم او يرفضون اداء اليمين او اداء الشهادة فانه يرفع الامر للرئيس الاول للبت في الامر طبقا للفصل 66 والذي يحكم عليهم بمقتضى أمر بغرامة من 500,00 الى 2000,00 درهم.
الا ان هذا الجزاء يبقى عقيما وغير ذي جدوى اذ لا فعالية له لجمع وثائل الاثبات ذلك ان أي شخص يستدعى من طرف المجلس فانه يفضل عدم الحضور حتى وان تعرض للجزاء المذكور ما دام ان مصاريف تنقله احيانا تكون اكثر بكثير من الغرامة المذكورة، اذ كان بالاولى اعتماد التدابير الزجرية المنصوص عليها في قانون المسطرة الجنائية والتي تجنح رفض اداء اليمن او الشهادة امام المحكمة طبقا للفصل … من ق م ج وكذا وسيلة إحضار الشهود بواسطة القوة العمومية اذا كانت شهادة الشاهد حاسمة في الملف والا ما العبرة بوجود جهاز النيابة العامة بالمجلس؟ .
وبعد انتهاء التحقيق يقوم المستشار المقرر يوجه الملف للوكيل العام الذي يتقدم بملتمساته في اجل 15 يوما من تاريخ التوصل.
وبعد وضع ملتمس النيابة العامة يبلغ المعني بالامر من اجل الاطلاع بكتابة المجلس على الملف ام شخصيا او بواسطة محام كما يمكنه الحصول على نسخ من وثائقه، ويبقى له اجل 30 يوما لأجل الإدلاء بمذكرته الجوابية إما شخصيا أو بواسطة محام ، كما يمكنه التقدم بطلب استدعاء شهود .
ويبقى لرئيس المجلس سلطة تقرير إحالة القضية على الغرفة المختصة بقضايا التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية التي يستدعى لها المعني بالامر قبل 15 يوما على الاقل.
تشكل سلطة الرئيس الاول في تعيين المستشار المقرر المكلف بالتحقيق و بالتقرير في شأن احالة الملف على الغرفة المختصة سلطة غير مبررة ومن شأنها تقليص وتبخيس سلطة القاضي المقرر المكلف بالتحقيق، بخلاف قواعد المسطرة الجنائية التي تعطى حق احالة الملف للتحقيق للنيابة العامة وحق احالة ملف التحقيق على الجلسة لقاضي التحقيق وفي ذلك نوع من ضمان استقلالية الأجهزة القضائية .
ويتم تسيير الجلسة من طرف رئيس الهيئة ويتلو المستشار المقرر تقريره ويدعو المعني بالامر للادلاء بتوضيحاته ودفوعاته شخصيا او بواسطة دفاعه .
ويتم الاستماع الى الشهود شفاهيا او السماح لهم بالإدلاء بشهادتهم مكتوبة بعد اذن الرئيس والتي يتلوها كاتب الضبط ، ثم يقدم ممثل النيابة العامة ملتمساته.
وتكون الكلمة الأخيرة للمعني بالأمر أو محاميه .
وتتم المداولة بحضور المستشار المقرر بصوت تقريري، ويتخذ القرار بأغلبية أعضاء الهيئة ويرجح الجانب الذي ينتمي اليه الرئيس في حالة تعادل الاصوات.
ويصر القار في جلسة علنية في اجل شهرين من تاريخ ادراج الملف في المداولة ويبلغ للمعني بالامر والوزير المعني والوزير الكلف بالمالية والى الوكيل العام للملك والى الجهة التي رفعت القضية اليه والى الممثلين القانوننين للاجهزة المعنية.
ثالثا : اثار قيام المسؤولية التأديبية.
فبثبوت الأفعال المنسوبة للمعني بالأمر بشأن المخالفات المالية المنصوص عليها في المواد من 54 إلى 56 المنصوص عليها في المواد من 54 إلى 56 تصدر المحاكم المالية الغرامة المقررة في إطار الرقابة القضائية في ميدان التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية، والغرامة المالية هي العقوبة الوحيدة التي يملك المجلس صلاحية الزجر بها، وهي غرامة تقرر وفقا لدرجة خطورة المخالفة المالية وطبيعة تكرارها والتي لا يجب أن تقل عن ألف (1000) درهم وألا تتجاوز مجموع مبلغ الغرامة عن كل مخالفة المرتب السنوي الصافي للمعني بالأمر عند تاريخ ارتكاب المخالفة، وبصفة عامة، فإن مبلغ الغرامة يجب ألا يتجاوز أربع مرات مبلغ المرتب للمعني بالأمر، وإذا قرر المجلس أن المخالفات المرتكبة قد ألحقت ضررا بإحدى الأجهزة العمومية الجاري عليها رقابة المجلس، حكم المعني بالأمر بإرجاع المبالغ المطابقة لفائدة هذا الجهاز من أصول وفوائد الرأسمال الذي ضاع نتيجة الفعل المعيب وتحسب الفوائد على أساس السعر القانوني ابتداء من تاريخ ارتكاب المخالفة.
وإذا اكتشف المجلس أفعالا من شأنها أن تعرض المعني بالأمر لعقوبة تأديبية أو جنائية يتم تطبيق أحكام م 111 من القانون رقم 62-99 والتي تنص على ما يلي : ” لا تحول المتابعات أمام المجلس الأعلى للحسابات دون ممارسة الدعوى الجنائية والدعوى التأديبية إذا اكتشف المجلس أفعالا تستوجب عقوبة تأديبية، أخبر الوكيل العام للملك بهذه الأعمال السلطة التي لها حق التأديب بالنسبة للمعني بالأمر والتي تخبر المجلس خلال أجل ستة (6) أشهر في بيان معلل بالتدابير التي اتخذتها.
وإذا كان الأمر يتعلق بأفعال يظهر أنها تستوجب عقوبة جنائية رفع الوكيل العام للملك الأمر تلقاء نفسه أو بإيعاز من الرئيس الأول إلى وزير العدل قصد اتخاذ ما يراه مناسبا وأخبر بذلك السلطة التي ينتمي إليها المعني بالأمر، ويخبر وزير العدل المجلس بالتدابير التي اتخذها”.
أما إذا كان مرتكب المخالفات المشار إليها في المواد 54 إلى 56 يستفيد من أجرة غير عمومية، فتحسب الغرامة التي يتعرض لها على أساس أجرته السنوية الصافية طبقا للشروط المحددة في المادة 66، أما إذا كان المخالف لا يتقاضى أي أجر، جاز للمجلس أن يحكم عليه بغرامة يصل مبلغها إلى ما يعادل الأجرة السنوية الصافية لموظف بدرجة متصرف بالإدارة المركزية يستفيد من أعلى رتبة في سلم الأجور رقم 11″، وفي حالة ما إذا كانت القضية واحدة تهم عدة أشخاص جاز للمجلس التحقيق والحكم عليهم في نفس الوقت وإصدار بشأنهم حكم واحد طبقا للفصل 62 .
اضافة للعقوبات المذكورة فقد نصت المادة 113 على امكانية نشر القرارات التأديبية الصادرة عنه في ميدان التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية بامر من الرئيس الاول، بمجرد ما تكتسي صبغة أحكام نهائية وكذا كل القرارات الأخرى والمقررات المنظمة للأحكام بالغرامات، وهي وسيلة قد تكون اكثر ردعا اذا ما تم تفعيلها وهي مدخل لفضح كل التجاوزات والاختلاسات التي تطال الأموال العمومية، ما دام ان العقوبات السالفة تبقى محدودة الاثر ولربما تكون حافزا على تزايد المخالفات المالية لغياب طابع الردع بها.
خاتمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة :
يتضح من خلال مسار عمل المحاكم المالية انه كشف عن قصور النصوص المؤطرة له لمحدودية الرقابة التي يمارسها قضاة هاته المحاكم لعدم توفرها على قوة الردع مما تكرس معه نهب المال العام وسوء التدبير وتبدير الاموال العمومية وهو ما انتهى اليه تقرير المجلس الاعلى للحسابات لسنة 2007 في مختلف القطاعات، كما ان توزيع الاختصاصات بين اجهزة المجلس لا يليق بمؤسسة للرقابة العليا للمال العام لهيمنة الرئيس الاول للمجلس على مختلف الاجهزة بما فيها القضاة و النيابة العامة الذي يفترض ان تكون سلطة مستقلة وفعالة.
كما ان قلة العنصر البشري يكتسي كذلك عامل ضعف لسلطة المحاكم المالية باعتبار نوفر المغرب على تسع محاكم مالية لمراقبة مالية الاف المؤسسات الخاضعة للرقابة المالية، في ظل غياب لنظام للتحفيزات تستقطب اطرا عليا من باحثين جامعيين مرموقين في الاقتصاد والمالية واطر في مختلف القطاعات المعنية بالقانون والاقتصاد والمالية بخلاف النظام الفرنسي، بل على العكس من ذلك فان العديد من قضاة المحاكم المالية غادروها للالتحاق بقطاعات اخرى.
كما ان تدبير عمل المحاكم المالية حتى في صيغته الحالية لم يفرز انفتاحا على المهتمين والباحثين في غياب تحيين مستمر للموقع الالكتروني للمجلس الاعلى للحسابات وعدم صدور تقارير المجلس بشكل منتظم اذ لم يصدر لحد الان تقرير سنة 2008.
هكذا فان بناء جهاز للرقابة على المال العام يجب ان يحاط بترسانة من القوانين الرادعة وبتمكين المحاكم المالية من سلطات تمكنها من الوسائل البشرية والمادية لبسط رقابتها على مختلف الاجهزة المكلفة بادارة المال العام وربط جسر من التواصل بينها وباقي الاجهزة المعنية بحماية المال العام بمختلف القطاعات
المسطرة في المحاكم المالية

تحديث الإدارة القضائية وجودة خدمات العدالة

تحديث الإدارة القضائية وجودة خدمات العدالة



سأتناول في هذه المداخلة مفاهيم تتعلق بالتحديث وبالإدارة القضائية وجودة خدمات العدالة، وأعطي لمحة عن المجهودات التي قامت بها وزارة العدل في ميدان تحديث الإدارة القضائية.
أولا – التحديث !
كلمة أصبحت شائعة الاستعمال لدى مختلف المسيرين، بعدما بدأ يتبين لهم ضعف وسائلهم، لا من حيث طرق الإدارة والتنظيم، ولا من حيث الموارد و التجهيزات ، فانتبهوا إلى أن تحديث مؤسساتهم هو الكفيل بجعل عملها أكثر مردودية وأحسن جودة.
وإن الاستعمال المكثف لعبارة التحديث سواء في الخطاب السياسي، أوفي قطاع الأعمال والمقاولات، وأخيرا في ميدان الإدارة العمومية وتحديث الدولة، لا يعني أن مفهوم التحديث الإداري واحد لدى الجميع، فقد يفهم من التحديث القطيعة مع الماضي (بيروقراطية، مركزة القرار ) أو أنه تحسين أداء المؤسسة، أو الأخذ بما هو معاصر، أو الاستفادة من مستجدات التقدم والتطورات الأخيرة في ميدان التسيير والتدبير وتكنولوجيا الإعلام والاتصال.
وحتى في حالة إعطاء التحديث مفهوما متقاربا، واعتباره – عموما – مرحلة تحول، فإن الأولويات والإجراءات المتخذة من أجل التحديث، تختلف بحسب الدول والقطاعات وكذا الإمكانيات المتاحة بيد أصحاب القرار.
ولذلك قلما يتم الاعتناء بمفهوم التحديث في حد ذاته، ويتم بالمقابل التركيز على مقاربة براغماتيمية لموضوع التحديث، تتمثل في البحث عن :
– الدوافع الخارجية التي تلجئنا إلى التحديث.
– المجالات التي يتعين تحديثها،
– الإجراءات الواجب اتخاذها لضمان مردودية وجودة أكثر.
فمن حيث الدوافع الخارجية ، تعتبر مبادرات التحديث، وسيلة اندماج إيجابي في تيار التكيف مع صيرورة العولمة والمنافسة الحادة، ومن تم فإن عوامل خارجية كثيرة تدفع بنا إلى الانخراط في هذا الاتجاه: مثل الاستجابة للمتطلبات المستجدة للمواطنين في الحصول على منتوجات وخدمات ذات جودة عالية،وتشجيع التواصل بين منتج الخدمة أو السلعة والمستفيد منا، وكذا الرغبة في التنمية الاقتصادية.
أما على صعيد المجالات التي يتعين تحديثها، فتختلف الأوليات والاختيارات، فقد كان القطاع الخاص الصناعي من أولويات التحديث في عدة بلدان، ومن هذا القطاع انتقلت مناهج وطرق التحديث إلى قطاع الخدمات، لتحل أخيرا في قطاع الخدمات العامة.
أما على صعيد الإجراءات المتخذة، فهي متنوعة ومتطورة، غايتها توفير الجودة، مثل محاولات تجديد الهياكل، واتخاذ أحدث أساليب التدبير والتسيير والتقييم، وابتداع مناهج التكوين والتأهيل، واستخدام أحدث تكنولوجيا المعلومات والاتصال.
إن هذه المقاربة العملية جعلت التحديث يتخذ في كل مرحلة مظهرا من المظاهر، ويتأثر بالأولويات المحددة في الاستراتيجية المتبعة في التحديث، بحيث أضحت عملية التحديث تشكل سيرورة أو سياقا Procéssus وسلسلة من المراحل تنتقل فيها المؤسسات من مؤسسات سائرة في طريق التحديث إلى مؤسسات على أعلى مستوى من التحديث، وتعكس كل مرحلة صورة المؤسسة كما تكرس في الشعارات و الخطابات المتعلقة بتلك المرحلة مثل: الشفافية، التبسيط، التفاعل . ومن تم تعتبر عملية التحديث عملية طويلة المدى لا من حيث ظهور النتائج ولا من حيث امتدادها في الزمن.
وإذا كان التحديث – ومنذ مدة – قد طرق باب الخدمات العامة والإدارات العمومية، فإنه لم يكن ليستثني في النهاية باب العدالة. إذ لا يتصور أن تنفلت المؤسسة القضائية من الاتجاه العام للتحديث وتوفير جودة الخدمات، كمطلب عام يغزو القطاع الخاص و القطاع العام على السواء. بحيث إن الدعوة قائمة على أكثر من صعيد من أجل تحديث الإدارة القضائية، وذلك استجابة للمهام الجديدة للعدالة المعاصرة، وتلبية لتطلعات المواطنين إلى عدالة حديثة متكيفة مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع المعاصر.
ثانيا – الإدارة القضائية:
لكن ما هي الإدارة القضائية؟ وهل يمكن الحديث حقا عن إدارة العدالة ؟ والتعامل معها وفق طرق الإدارة العمومية؟ وما هي أوجه تحديث الإدارة القضائية ؟
فيما يتعلق بالإدارة القضائية:
فإن ميدان العدالة يتميز بخصوصيته وبتعدد المتدخلين فيه، إذ يشتمل جهاز العدالة على قسمين يضم كل منهما فرعين:
أ – قسم أول يتعلق بالإطار ويشمل:
– مكونات العدالة الأساسية (المحاكم، القضاة، المحامون، باقي المهن القضائية ).
– النظام القانوني للعدالة (التنظيم القضائي، مبدأ فصل السلط، نظام رجال القضاء، نظام ممارسة المهن القضائية).
ب – قسم ثاني يتعلق بالنشاط القضائي:
– ممارسة السلطة القضائية ( مساطر قضائية، أحكام قضائية )
– حدود هذه الممارسة (حقوق دستورية للمتقاضين، ميثاق شرف القضاة والعاملين في الحقل القضائي).
ولذلك فإنه عندما يجري الحديث عن تعريف الإدارة القضائية، فإنها تعرف من خلال المهن المرتبطة بقطاع العدالة ، التي تساهم يوميا في إدارة العدالة: القاضي المحامي، الخبير، المترجم، كاتب الضبط، العون القضائي، الموثق، العدل، سنديك، إضافة للمستشارين القانونيين. أما وزارة العدل فإنها منظمة إداريا وفق هيكل محدد على مستوى الإدارة المركزية وفروع إدارية، وتقوم بمهام إدارية محضة مرتبطة بالوظيفة القضائية، وتعمل على تمكين الجهاز القضائي من الوسائل المادية والبشرية لعمله.
إن جزءا مهما من الإدارة القضائية موكول للقضاة على صعيد المحاكم، لكن باقي الفاعلين لهم دور لا يمكن إغفاله، إلى درجة أن القاضي أصبح أحيانا يدير فقط قضايا ذات طابع فني واقتصادي يقرر فيها الخبراء أساسا، بحيث طرحت تساؤلات حول ما إن كان هناك اتجاه لإيجاد القاضي – المسير Magistrat-gestionnaire . وإخضاع عمل القاضي في إدارته الملفات لتنظيم معين، على أن تبقى سلطته في الحكم والتي يتمتع فيها بكامل الاستقلال خارج عملية التنظيم. وتجد هذه الفكرة أساسها في أن عمل القاضي في إدارة الملفات يعتبر جزءا من عمل مجموعة أخرى من المتدخلين تؤدي خدمة عامة. خاصة وأنه ونتيجة لتعدد المتدخلين في العمل القضائي، يوصف حكم أو قرار القضاء، بأنه نتيجة عمل عدة فاعلين، يؤثر كل منهم سلبا أو إيجابا في جودة العدالة.
ثالثا – أوجه تحديث الإدارة القضائية:
إن التحديث يعتبر مرحلة متقدمة في عملية الإصلاح القضائي، لأنه ينتقل بالإصلاح إلى مرحلة أعلى، ويندرج في الاهتمام بالأساس بمقاربة التسيير والتنظيم. و بالنظر إلى طبيعة وبنية الإدارة القضائية، فإن مجال تحديث الإدارة القضائية مجال واسع، يشمل جميع مكونات العدالة من جهاز قضائي ومهن قضائية، وهي مكونات وإن كانت تعمل في فضاء واحد فإن أنظمة أصحابها غير موحدة، كما أن مهامها وأنظمة عملها مختلفة. وهذا يدل عل أن تحديث العدالة يتميز بمميزات وخصائص لا توجد في قطاعات أخرى
إن هذا التنوع في مكونات العدالة هو من أولى الصعوبات التي تواجه عملية تحديث منسجم بشأن الإدارة القضائية ككل. مما يدفع أحيانا إلى اتخاذ مبادارت تحديث جزئية أو قطاعية، كمبادرات التحديث على صعيد عمل المحاكم المتخصصة، أو القيام بعملية تحديث على صعيد مهنة من المهن القضائية. وهو ما قد يخلق الانطباع بعدم الانسجام بين مكونات العدالة التي تبدأ بالعمل وفق سرعات مختلفة.
وإلى جانب هذه الصعوبة هناك صعوبة أخرى في ميدان تحديث الإدارة القضائية، حيث يبزر مشكل الربط بين استقلال القضاء وإدارة العدالة، لأن أي محاولة لتنظيم عمل القاضي يفرضها التحديث، قد يفهم منها أنها تتوجه إلى الحد من استقلاليته. وقد بحث السيد Giacomoto OBERTO في هذا الموضوع l’autonomie de la Justice dans sa gestion: L’expérience Italienne وهذا المشكل يثور أيضا بالنسبة للمحاماة كمهنة مستقلة.
لكن أهم معوقات تحديث القضاء هو نقص الإمكانيات المادية. فإذا كان اتخاذ بعض مبادرات تحديث الإدارة القضائية قليل التكلفة، مثل تحديث النصوص التشريعية المرتبطة بتسهيل المساطر وتنظيم المهن وتنظيم الطرق البديلة لحل النزاعات، فإن باقي أوجه التحديث تتطلب اعتمادات هامة، لمواجه انعكاسات مراجعة التنظيم القضائي والخريطة القضائية، وتوفير العدد الكافي من القضاة والموظفين، وتخصيص الاعتمادات اللازمة من أجل التكوين والتأهيل، ورصد الإمكانات لإدخال تكنولوجيا المعلوميات في العمل القضائي، وتوفير بنية تحتية ملائمة للمحاكم….إلى غير ذلك من الحاجيات التي تتطلب اعتمادات مالية وبشرية ضخمة. ولذلك يبقى التحديث رهين برنامج عمل يأخذ في حسبانه الإمكانيات المتاحة.
وبغض النظر عن هذه الصعوبات، فإن مبادرات تحديث الإدارة القضائية تستهدف التنظيم الداخلي للمؤسسة القضائية، وتنظيم العمل داخلها، كما أنها تهدف من جهة أخرى إلى تحسين خدماتها في إطار علاقتها مع المتعاملين معها. وبذلك فإن التحديث هنا يعبر في الواقع عن استجابة لمطالب خارجية وداخلية، لأن الطلب على تحديث الخدمة القضائية وجودتها لا يأتي من المتقاضين فقط بل يأتي حتى من العاملين في رحاب العدالة كذلك. وهكذا يكون للتحديث -كإجراء – أبعاد داخلية تهم القطاع في حد ذاته بكل مكوناته، وأبعاد خارجية تهم المتقاضين.
ذلك أن تحديث الإدارة القضائية يخضع هو نفسه لعوامل خارجية، مثل كونه يندرج في سيرورة خاصة لتحولات نعيشها وتفرض التكيف معها ( تغير في وسائل العمل، والاتصال، تحولات في العالم الخارجي، حاجيات المتقاضين، دور العدالة في التنمية). فكثيرا ما يكون القضاء محط انتقادات المتقاضين، بل وتشكيات من القضاة أنفسهم، بالنظر للظروف التي يعملون بها، ومن هنا تكون الدعوة إلى تحديث القضاء للاستجابة إلى مطالب تحسين جودة أدائه وخدماته.
– فبالبنسبة لطلبات المتقاضين يهدف التحديث إلى توفير ولوج سريع إلى العدالة، والتمكين من سرعة البت في القضايا، والفعالية في تنفيذ الأحكام، وتبسيط لغة القضاء وتعليل الأحكام. وبذلك فإن تحليل متطلبات المتقاضين يبرز فيها بشكل كبير المعيار الكمي وسرعة البت وكثرة الإنتاج.
– وبالبنسبة لطبات المحامين، يهدف التحديث إلى اتخاذ إجراءات للتخفيف من تعقيد وطول المساطر ، والتركيز على تعليل الأحكام، وإعادة تنظيم المهن القضائية، وخلق مجالات للتواصل مع جهاز القضاء وباقي مكوناته الأخرى، وضبط قواعد المساعدة القضائية.
– وبالنسبة لطلبات وزارات العدل ومسؤولي المحاكم، يكون التحديث استجابة لدواعي التقييم الذاتي لعمل المحاكم، وتوفير الوسائل التي تمكن من سرعة البت، والتخطيط لبرامج تكوين القضاة والموظفين. وإتاحة الفرصة لبدائل أخرى لحل النزاع لتخفيف الضغط على المحاكم.
– وبالنسبة لطلبات القضاة، يكون التحديث استجابة لتوفير ظروف عمل ملائمة، وتوفير إمكانيات التكوين المستمر، ووضع قواعد لتقييم عمل القضاة كما وكيفا، وتنظيم العلاقة مع موظفي كتاب الضبط، ووضع معايير لرئاسة الغرف بالمحاكم وتوزيع القضاة عليها.
هذه بعض مجالات التحديث التي يفرضها واقع الوسط القضائي والمتدخلين فيه. وإلى جانب ذلك يتم وفي مراحل متقدمة من التحديث توفير خدمات مستجدة غير مسبوقة أهمها استعمال المعلوميات في إدارة الملفات القضائية والمساطر، واستعمال الأنترنيت ليس من أجل التواصل فقط بل حتى من أجل التقاضي عن بعد:
– فقد تم في المملكة المتحدة إنشاء محكمة افتراضية على الأنترنيت حيث يمكن للشخص مقاضاة خصمه في المحاكم عبر الأنترنييت إذا كان مدينا له بأكثر من 140 ألف دولار.
– كما أن بعض الدول تقوم بالمعالجة الفورية لبعض القضايا: Le traitement en temps réel des plaintes (محكمة بوبنيي بفرنسا ).
– الأخذ بنظام المساطر الإلكترونية Procédures électroniques بخصوص ملفات إلكترونية Dossier électronique – من شأنها الرفع من سرعة أداء العدالة وتخفيض الكلفة كذلك، وتسهيل الولوج إلى العدالة. ولذلك هناك من يطرح أن يهيأ الملف منذ البداية ويتم الخروج عن مبدأ التعقيب الذي يثار في كل مرة ويتم التأخير
Le dépôt électronique de documents judiciaires
(فرنسا Procédure électrique قانون 17/04/ 2001) (القيام بعدة خدمات : إعلانات البيع بالمزاد العلني تسليم بعض المطبوعات – دبي – الأرشيف الإلكتروني…إدارة الموارد البشرية.
– القيام بفتح الشباك الموحد لكتابة الضبط، GUG – Guichet Unique de Greffe الذي تم العمل به بفرنسا في عدة محاكم، ليس فقط لاستقبال المتقاضين وإرشادهم، بل لتمكينهم من القيام بعدة إجراءات في نفس الوقت. بحيث سيصبح هذا الشباك هو النقطة الوحيدة لولوج العدالة وذلك: للاستقبال، وللحصول على معلومات حول ملف المتقاضي، وللقيام بإجراءات في حالات عدم وجوب المحامي.
– ولذلك ستصبح الأنترنيت أهم وسيلة لولوج القضاء بسهولة.
إن استجابة تحديث الإدارة القضائية لمثل هذه الطلبات والقيام بهذه المبادرات، يعني إرضاء المتعاملين، والتمكن من الاستغلال الأمثل للموارد، وتحسين بيئة العمل، وتحسين عمل المؤسسة القضائية كما ونوعا.أي أن إجراءات تحديث الإدارة القضائية هو الكفيل في النهاية بضمان جودة الخدمات القضائية.
فما هو مفهوم جودة الخدمة القضائية؟
رابعا – جودة الخدمة القضائية
بصفة عامة تعرف الجودة حسب مضمون المواصفة القياسية ISO 9000 لعام 2000 بأنها “مجموعة الصفات المميزة للمنتج (أو النشاط أو العملية أو المؤسسة أو الشخص) والتي تجعله ملبيا للحاجات المعلنة أو المتوقعة أو قادرا على تلبيتها” أو هي مدى إرضاء الزبون، فهي عملية تطويرية، لا تتحقق بالصدفة بل لابد من أنظمة لإدارة الجودة وبذلك أصبحت الجودة تلعب دورا كبيرا في التنمية الاقتصادية.
لكن كيف يمكن تقييم الخدمة العامة القضائية؟ وما هي معايير الجودة في الإنتاج القضائي؟ وهل يمكن تطبيق مصطلحات تتعلق بالمقاولة الصناعية والتجارية أو بعض المؤسسات الإدارية على المؤسسة القضائية: مثل: إرضاء الزبون، مراقبة الجودة، تقييم الجودة، حيث تعتبر الجودة وسيلة من وسائل المنافسة بالنسبة للمقاولة؟
قد يكون مبرر تناول هذه المصطلحات في ميدان القضاء، خاصة مع مكانته في عالم اليوم، هو الاهتمام بإرضاء المتقاضين الذين أصبح لهم اليوم “طـلـبا ” أكبر على خدمة العدالة، ويدل على ذلك الارتفاع المهول في القضايا التي تنظرها المحاكم (appétence de justice’L). ومقابل هذا “الطلب ” أصبح الحديث يتم عن الإنتاج القانوني للجهاز القضائي، وإن كان ينظر إليه على الأقل كموضوع سوسيولوجي، يتمثل في تسوية نزاعات الأطراف.
لكن هل يمكن الاعتداد بالمنافسة بالنسبة للمؤسسة القضائية ؟ قد يكون الجواب نعم إذا أخذنا بعين الاعتبار أن بدائل حل النزاعات مثل التحكيم والوساطة والمصالحة أصبحت تسلب النزاعات التجارية المهمة من رحاب المحاكم، كما أن المنافسة أصبحت قائمة بين الأنظمة القضائية تبعا لما توفره من أمن قانوني وقضائي باعتباره من محفزات الاستثمار خاصة بالنسبة للدول غير المصنعة، كما أن المحاماة ومهن الاستشارة القانونية للشركات الكبرى أصبحت عرضة للمنافسة عل الصعيد الدولي. بل إن الحديث يجري الآن عن سوق القانون Marché du Droit وعن اقتصاد العدالة، ويجري الحديث عن مكاتب المحامين كمقاولات بل والحديث عن إدخال الماركتينغ Marketing في أخلاقيات المهنة.
وما هذه التطورات، إلا دليل على الأهمية التي أصبحت تحتلها الجودة في ميدان الخدمات القانونية والقضائية، لأن جودة خدمات الجهاز القضائي تساهم في ترسيخ الثقة في العدالة.
إلا إن أهم صعوبة تثور بشأن الأخذ بمعايير الجودة بالنسبة للجهاز القضائي تكمن في أن الجودة تعتمد على مبدإ التقييم إذ هو الوسيلة التي تمكن من الحصول على جودة الخدمات، ومن هنا يقال: تقييم سوء سير خدمة ما هو الذي يساعد على العمل من أجل تحسين سيرها. و هذه العملية – التقييم– مسألة صعبة في قطاع القضاء.وذلك:
– لأن طريقة عمله لا تسمح بعملية تقييم موضوعي بصفة شاملة، حيث يتعذر الابتعاد عن التقييم الذاتي والشخصي إزاء خدمات مكونات وأجهزة العدالة. ألا يقول المثل العربي: نصف الناس أعداء القاضي؛ هذا إن عدل؟
– لأنه يصعب تقييم منتوج المؤسسة القضائية من الناحية الاقتصادية ومن هنا يتم التساؤل عل أي أساس يمكن إعطاء العدالة ما تحتاجه من إمكانيات، هل تعطى هذه الإمكانيات تبعا للمنتوج الكمي أم على أساس جودة الخدمة؟
– إن اتخاذ المشرع لمبادرات التحديث فيما يخص بعض الإصلاحات القضائية الكفيلة بتسريع المساطر يقابل بتحفظ القضاة والعاملين وتعليق الفقه والمحامين أحيانا.
خامسا – خصوصيات الجودة في ميدان العدالة: 
لقد وجدت في يعض الدول دراسات وأبحاث ميدانية حول المعايير والمقاييس التي توفر أداء قضائيا جيدا يستجيب لتطلعات المتقاضين. وهكذا أنجزت تقارير حاولت إبراز خصوصيات الجودة في ميدان العدالة. ومن أهم هذه التقاير تقرير السيد HUBERT DALL من فرنسا، الذي أبرز أن خصوصيات جودة الخدمات القضائية تستمد من خصوصية العدالة كخدمة عامة لحل المنازعات من ناحية، وكمؤسسة تنتج رموزا وقيما من ناحية ثانية. ولذلك فإن البحث عن جودة الخدمة القضائية يجب أن يشمل المجالات الثلاث التالية:
– جودة العدالة كخدمة عامة (جودة الولوج إلى الخدمة العامة).
– جودة العدالة كوسيلة لحل النزاعات (جودة إدارة المحاكمة العادلة).
– جودة العدالة باعتبارها منتجة لقيم وحامية للحقوق والحريات (مدى الثقة في المؤسسة).
وقد خلص التقرير إلى أن تعريف الجودة في الميدان الاستهلاكي يتعلق بإرضاء الطلب لكن في ميدان العدالة قد يصعب تقبل هذا، ولذلك فإن الجودة هنا تتعلق بإرضاء التطلعات Attentes المعقودة عل العدالة لأن أساس هذا التفريق يرجع إلى أن العدالة مستقلة عن إرادة المتقاضين.
مقاييس ومؤشرات جودة الخدمة القضائية ؟
وبذلك يمكن وضع مقاييس ومؤشرات لجودة العدالة. وهذه مسألة موجودة في تقنية الحكم نفسها. لأن مهمة القاضي هي النطق بحكم القانون Dire le Droit ، بحيث يعتبر الحكم هو جواب القاضي على طلبات المتقاضين في قضية محددة. ويستطيع الـمـتقاضي وعن طريق الجزء من الحكم المتعلق بالتعليل (Motifs) التعرف على أسباب الحكم التي تصاغ وفق ترتيب منطقي معين، خاضع لرقابة المحكمة الأعلى درجة.
إن هذا الحكم لن يعتبره الأطراف عادلا إلا إذا كان في حد ذاته متوفرا على عدة مؤشرات تدل على جودته في جميع المراحل سواء قبل صدور الحكم أو بعد صدوه. أي أن يكون متوفرا عل مجموعة من الشروط والمواصفات والمؤشرات التي تدل على حسن سير القضاء بشأنه.
وإن وضع مؤشرات لجودة العدالة:يمثل في الواقع تركيبا لمعايير وقواعد مرجعية تتعلق بالنتيجة المطلوبة من الخدمة القضائية. وحتى تكون هذه المؤشرات ذات فائدة فإنها يجب أن تكون معايير واقعية مستمدة بالأساس من خصوصيات الفضاء القضائي ما أمكن، وأن تكون ناتجة عن الحاجيات المشروعة للمتقاضين.
ومن أمثلة هذه المؤشرات والمعايير المؤشرة لجودة العدالة، استجماع الحكم والمحاكمة لـ:
– ما تنص عليه الدساتير بخصوص مبدأ استقلال القضاء.
– ما تنص عليه القوانين بخصوص تعليل الأحكام القضائية.
– ما تنص عليه القوانين بخصوص مدة صدور الأحكام القضائية.
– ما تنص عليه القوانين بخصوص حماية حق الدفاع والمحاكم العادلة.
– ما تنص عليه مواثيق شرف المهن القضائية، فيما يخص تعامل القضاة والمحامين وغيرهم من أصحاب المهن مع الملفات.
– ما تنص عليه مثلا المادة 6 من المعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان بخصوص توفير محاكمة عادلة خلال آجال معقولة، وكذا اجتهاد المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بستاسبورغ بهذا الخصوص ( إدانة عدة دول من أجل التأخير في الحسم في القضايا).
– ما تنص عليه القوانين بخصوص مسؤولية الدولة عن السير السيئ لمرفق العدالة (المادة 781 / 1 من قانون التنظيم القضائي الفرنسي ).
– ما يستنتج من الإحصائيات القضائية يشكل دليلا على مدى جودة الخدم القضائية، خاصة فيما يتعلق بمدة التقاضي أمام المحاكم.
– ما يتيحه التقييم الذاتي للمحاكم.
– ما تشترطه دلائل الاستعمال المرصودة للمحاكم كما هو الأمر في أمريكا حيث تم إعداد برنامج تقييم للمحاكم ويذكر بهذا الخصوص :
Trial Courts Performance Standards and Measurment System (TCPS)
والذي استغرق إعداده عشر 10 سنوات، وقد شمل 1200 محكمة وكلف إعداه ملايين الدولارات. وقد تضمن مجموعة من المؤشرات لتحسين سير العدالة وتتعلق بخمسة 5 محاور: الولوج إلى العدالة، سرعة ومدة الفصل في النزاع، الحياد والمساواة وإنصاف الخصوم، استقلال القضاء والمسؤولية، ثقة المتقاضين.
فهذه النصوص وغيرها وكذا الدلائل التي ترصد للمحاكم بشأن تحسين سير العدالة تكرس في الواقع معايير يفرض احترامها تحقيق عدالة ذات جودة مثلى. أقول مثلى لأن العدالة لا تتجزأ في حد ذاتها، لكن طريقة صدورها قد تؤثر في قيمتها وجودتها، فصدور حكم عادل بعد مرور مدة طويلة، قد يكون قليل الفائدة مما لو صدر في الأجل المعقول ومن هنا المثل الذي يقول العدالة البطيئة ليست عدالة
Une justice lente n’est pas une justice
آليات المراقبة القضائية لجودة خدمة العدالة:
إن وجود مؤشرات على جودة الخدمة القضائية لا يكفي في حد ذاته، بل لابد من المتابعة والتقييم، ومن هنا فإن جهاز العدالة نفسه، وضع – ومنذ القديم – آليات للتقييم والمراقبة. وهذه الآليات القضائية للمراقبة منها ما هو مباشر كطرق الطعن في الأحكام، التفتيش القضائي. ومنها ما هو غير مباشر كالإحصائيات القضائية خاصة المتعلقة بمدة النزاع أمام المحاكم، وكذا مراكز التقييم على مستوى الإدارات المركزية.
لكن قلما تتوفر آليات خارجية: كتقييم الجودة من الناحية الاجتماعية مثل مدى سهولة الولوج إلى العدالة والتعرف على كيفية عملها، وكتقييم الجودة من الناحية الاقتصادية، ليس فقط من حيث كلفة صدور المقرر القضائي، بل حتى فيما يتعلق بإشاعة الثقة في ميدان الأعمال والاستثمار.
وإن بعض وزارات العدل تضم من بين هياكلها مصالح للتقييم والجودة Contrôle qualité والمغرب أخذ بهذا الحل بإحداث قسم للتقييم على مستوى مديرية الدراسات والتحديث. حيث من المفروض أن توضع، وعلى ضوء الدراسات الميدانية، وثائق للتقييم ولوائح اللقيادة Tableau de bord من أجل ضمان المقاربة الاستراتيجية للإدارة القضائية، بما تفرضه مبادئها من تعبير واضح عن أهداف وأولويات هذه الإدارة، وما تفرضه أيضا من ضرورة الاستفادة في العمل من آليات إدارة الجودة.
سادسا: هل يمكن تطيق معايير الإيزو 9001 مثلا على جودة الخدمات القضائية ؟ إن معايير ISO 9001 تهدف إلى وضع نظام جودة منظم بشكل يستبعد كل خلل للمنتوج في كل مراحل إنتاجه بل تمتد إلى ما بعد البيع. لذلك فإن هذه المعايير لا تعني التدخل في الاختصاص بل تعن بوضع الإجراءات وتدابير التنظيم الداخلي الهادفة إلى إنتاج في الجودة ( تحديد المسؤوليات ).
فهل يمكن في هذا الإطار إدخال معايير تقييم الجودة إلى رحاب العدالة وميدان المهن القضائية؟ هل يمكن تطيق معايير الإيزو 9001مثلا على جودة الخدمات القضائية بما تفرضه من مسؤولية وتنظيم للموارد، وإنتاج الخدمة وتطويرها ؟
إن البعض يقول نعم، لأنه يمكن أن ندخل في معايير الإيزو المعايير المنصوص عليها في القوانين والاتفاقيات الموجودة، ونضيف إليها معايير مستمدة من الواقع القضائي. وإن كانت هناك صعوبات تتعلق مثلا بطرق توفير القضاة للمحاكم الذي يرجع للمجالس العليا للقضاء، هذه المجالس تعمل وفق آليات محددة، كما أن ترقية القضاة لا تتم بالشكل السائد في القطاع الخاص أو في بعض القطاعات الإدارية. ثم إن الحكم عملية فكرية وعقلانية، ونتاج تدخل عدة فاعلين نميز في عملهم بين السرعة والتسرع، فكيف يمكن إخضاع هذا الإنتاج القضائي لمعايير 9000 ISO ؟
إن الجودة يمكن أن تسير وتدار ومن هنا نتحدث عن إدارة الجودة (Gestion de la qualité ) وفق معايير محددة كـ 9000 ISO التي تنطبق على مجال تقديم الخدمات كما يمكن أن تنطبق على المجالات الفكرية خاصة المهن القانونية. كالمحامين ومكاتب الاستشارة القانونية.
ولقد قرر المجلس الوطني للمحامين بفرنسا فتح مكاتب المحامين بفرنسا للحصول على شهادة الجودة 9001 ISO (عقلنة تنظيم المكتب) وهو ما اعتبر ثورة ثقافية، بالنسبة لمهنة المحاماة الرافضة لخضوعها لأية مقاييس باعتبارها مهنة مستقلة.
إن معايير الجودة – وبعيدا عن ميزة الحصول على شهادة الجودة la certification ، تشكل أداة تنظيم Un outil de management بالنسبة لمكاتب المهن القانونية، فهي وسيلة لتحديد المهام والمسؤوليات لكل واحد يعمل في المكتب مما يساهم في انخراط الكل في العمل والتواصل الداخلي والعمل في فريق. وهو ما تم بالنسبة لمكاتب الاستشارة القانونية لكبرى المقاولات كمكتب الاستشارة القانونية لــThomson مثلا منذ سنة 1995.وبفعل هذا التيار فإن مسؤولي وزارة العدل الفرنسية مثلا فكروا في إمكانية تطبيق مرجع قياسي أو معياري normatif référentiel كلي أو جزئي لإصدار القرار القضائي.
ومما يقوي هذا الاتجاه أيضا، ما أصبحت تقرره القوانين بخصوص مسئولية الدولة عن سوء تسيير القضاء Dysfonctionnement de la justice وكذا مسئولية القضاة في حالة الخطأ الجسيم ونكران العدالة. هذا بالإضافة إلى الاجتهاد القار لمحكمة حقوق الإنسان الأوروبية بخصوص تحميل الدول مسؤولية سوء سير العدالة.
– وتجب الإشارة إلى أن وضع معايير للنشاط القضائي ، لا يعني تدخلا في اختيار الحل القضائي المتروك أصلا للقاضي، وهي عملية تبقي بعيدة عن كل تقييس normalisation .لأن وضع معايير لجودة الخدمة القضائية وكما يقول أحد الباحثين Vincente FORTIR: لا يتعلق بسلطة القاضي في حل النزاع، كما أنه ليس مراقبة للخدمة المقدمة، إنه و قبل كل شيء دليل من أجل إنجاز الخدمة وطريقة مترابطة لإدارة النشاط القضائي، وهو على كل حال لا يضمن النتيجة. تماما مثل الأمر بالنسبة لشهادة جودة منتوج ما فهي لا تتعلق في الصميم بجودة المنتج وإنما بالأنظمة المتعلقة بالجودة والفرق بينهما واضح، لأن الأمر يتعلق في الواقع بالخطوات المطلوب اتخاذها لإدارة الجودة.
وواضح أن استخدام هذه المعايير في النشاط القضائي ستؤدي لا محالة إلى تغيير النظرة إلى دور القاضي في المجتمع المعاصر، نظرة تهتم به من حيث نتيجة عمله،وبذلك فهو تحول من نظرة تتم إلى القاضي من فوق إلى نظرة تنطلق إليه من الواقع.
ومن جهة أخرى فإن اعتماد معايير الجودة، لا يهم القاضي وحده، بل إن كل المتدخلين في النشاط القضائي ملزمون بمراعاة الجودة في نطاق تدخلهم (الجودة الشاملة) خاصة فيما يتعلق بسرعة إنجاز مهمته في المرحلة القضائية التي تخصه والتصرف وفق ما يفرضه القانون ومراعاة حقوق الأطراف، ولذلك يتحمل مساعدو القضاء مسئوليتهم في جودة القرار النهائي للقضاء. وهكذا لن تنحصر الجودة في نطاق مصدر الحكم القضائي فقط بل تمتد لتشمل باقي المتدخلين في المراحل التي سبقت صدوره بدءا من افتتاح الدعوى إلى حين صدور القرار وانتهاء بتنفيذه.
ولاشك أن إجراءات من هذا القبيل تساعد عل نمو ثقافة الجودة في الوسط القضائي، وفي هذا الإطار فقد قام بعض موظفي المحاكم ببعض الدول بإبرام ميثاق للعمل داخل المحاكم ( انظر نص ميثاق محاكم جنيف من أجل تحقيق العدالة والجودة في الخدمة، وإشاعة الثقة والبرهنة على الكفاءة والفعالية والإعلام.
وتبقى الإشارة في النهاية إلى أن للجودة ثمنها، مما يقتضي توفير إمكانيات في المستوى للحصول على النتيجة المطلوبة، وكما يقول الأستاذ GUY CANIVET رئيس محكمة النقض الفرنسية : لتوفير الجودة في الخدمة القضائية، يجب المصالحة بين الجودة والكم، لكن كيف يمكن الجمع بين الطلبات اللامحدودة للجودة والإمكانيات المحدودة للعدالة؟
سابعا – بعض مجهودات وزارة العدل في تحديث القضاء والرفع من مستوى خدماته:احتل التحديث مركزا محوريا في برنامج إصلاح القضاء. وبما أن زملائي في الوفد المغربي سيتناولون بتفصيل أوجه هذه العملية عل امتداد محاور هذه المناظرة، سأستعرض الخطوط الكبرى للمجهودات التي بذلت في هذا الميدان، والتي أصبحت تعطي ثمارها، هذه المجهودات التي تمت في جوانب منها بمساعدة شركاء لنا حاضرون هنا.
· إن مجهودات الإصلاح والتحديث التي تمت من قبل وزارة العدل تهدف إلى أمرين:
o إعادة تأهيل القضاء المغربي،
o تمكين القضاء المغربي من مواكبة التحولات والتحديات المعاصرة،
وكتطبيق لما سبق أن أبرزته في مداخلتي، سترون أن مجال التحديث في ميدان القضاء: واسع المجال، وتطبعه المراحل قصيرة وبعيدة المدى،ولو كان هناك متسع من الوقت لبينت لكم مختلف المراحل التي واكبت هذه المجهودات، سواء من حيث البحث أو التقييم أو من حيث الدراسات التي تمت بشأن العمليات التي تم إنجازها.
وسأتناول باختصار، الخطوط الكبرى لما تم إنجازه في ميدان التحديث، ويمكن تصنيف ذلك إلى ما يلي:
تجديد الهياكل:
· هيكلة الإدارة المركزية 
o مرسوم جديد يتعلق باختصاصات وتنظيم وزارة العدل؛ لرفع من أداء الإدارة المركزية:
o توضيح الصلاحيات وتوزيع المهام لتفادي كل تداخل أو خلل في التسيير؛
o إحداث هياكل إدارية جديدة:: مديريات للموارد البشرية و للدراسات والتحديث والتعاون الدولي، وهي هياكل تتضمن هياكل للتحليل والتقييم.
o إحداث مركز لمعالجة الشكايات الواردة من المواطنين ومن جاليتنا بالخارج وكذا من مختلف المصالح:
تحديث وعقلنة التسيير القضائي: 
o تعديل الفصل 24 من النظام الأساسي لرجال القضاء الذي فصل المهمة عن الدرجة، لضمان تأطير القضاة الجدد والرفع من مستوى الأحكام؛
o القضاء الفردي في بعض القضايا لتسريع المساطر؛
o مفهوم حديث لمبدأ تقريب القضاء من المتقاضين ونشر الخريطة القضائية، ينبني على جودة الخدمة.
o نشر دلائل: حسن سير المحاكم، دليل النيابة العامة، دليل التوثيق.
o وضع برامج سنوية لتفقد مختلف محاكم المملكة،
تكوين القضاة والموظفين:
o إصلاح نظام المعهد الوطني للدراسات القضائية
o التأكيد على أهمية التكوين المستمر
o التكوين والتكوين المستمر بالنسبة للمهن القضائية:
المحاكم المتخصصة:
o تجربة المحاكم الإدارية
o المحاكم التجارية
العلاقات مع المحيط القضائي:
o توسيع نطاق الاستشارة مع المحامين (ميثاق التعاون مع جمعية هيآت المحامين بالمغرب)، خلق لجان مشتركة بين الوزارة.
o تنظيم حديث مهنة الخبراء والتراجمة.
إعداد البنية التقنية المعلوماتية للإدارة المركزية والمحاكم
o إنشاء المخطط المديري للمعلوميات بالوزارة؛
o اقتناء العديد من التجهيزات والبرامج المعلوماتية .
o ربط الوزارة بالانترنيت، وانطلاق موقع الوزارة على الانترنيت .
o التكوين في ميدان المعلومبات وتطوير البرامج
o تهييئ البرامج المعلوماتية قصد الاستغلال الإداري والقضائي
o الاستغلال المعلومياتي للإحصائيات المتوفرة بالوزارة، وإنجاز الخريطة الدينامكية.
o إحداث اللجنة المركزية للتحديث للتنسيق في هذا الميدان؛
تحديث وإصلاح بنايات المحاكم
o توفير المظهر اللائق بالمحكمة.
المقاربة الجديدة للتعاون الدولي: التعاون الدولي في خدمة التحديث؛
o مشروع MEDA :تحديث عدة محاكم، Banque Mondiale البنك الدولي: تحديث المحاكم التجارية والسجل التجاري المحلي وتأهيل المعهد الوطني للدراسات القضائية، ووضع نظام معلوماتي لفائدة الوزارة، وتحضير إطار قانوني بديل للمنازعات التجارية؛- USAID الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية : برنامج تحديث المحاكم التجارية بسوس ماسة، وبرنامج لفائدة الإدارة المركزية؛ COPEP اللجنة الدائمة للدراسات والتخطيط ( تكوين قضائي يعني عدة مجالات ومديريات)؛ اتفاقيات التعاون مع منظمات دولية:FNUAP حول الأسرة ، PNUD بخصوص مشاريع قيد الدرس، IFES حول تكوين قضاة المحاكم التجارية والإدارية، ISDLS حول الوساطة والتحكيم، RPI حول الإصلاح الجنائي الدولي.
تسهيل الولوج إلى العدالة
o تحسين ظروف استقبال المتقاضين بالمحاكم؛
o الاهتمام بشكايات المواطنين (مركز معالجة الشكايات، وعلى صعيد المديريات المعنية)؛
o قيام المسؤولين القضائيين بتخصيص أيام في الأسبوع لاستقبال شكايات المواطنين؛
o لجنة لمراجعة بعض بنود قانون المسطرة المدنية لتسهيل الإجراءات المسطرية؛
o دلائل ومعلومات بموقع وزارة العدل على الأنترنيت لتسهيل التواصل ونشر الوعي الحقوقي.
الاهتمام بالجانب الإحصائي واستغلاله
o استغلال إحصائيات قضايا العنف ضد المرأة بتعاون مع (.(FNUAP
o استغلال إحصائيات الزواج والطلاق بتعاون مع (.(FNUAP
o إعداد دراسات حول طرق الإحصائيات.
الإصلاح التشريعي: 
o قانون السجون ، القوانين المنظمة لمهن الخبراء والتراجمة والنساخة؛ تعديل قانون المسطرة المدنية، المقتضيات المتعلقة بالقضاء الفردي، تعديل القانون الجنائي، تعديل الفصل 24 من النظام الأساسي لرجال القضاء الذي فصل المهمة عن الدرجة؛ مرسوم زيادة عدد المحاكم التجارية؛ المرسوم المنظم لمباراة الملحقين القضائيين، المرسوم المتعلق باختصاصات وتنظيم وزارة العدل.
o أهم المشاريع الجاهزة: مشروع القانون المتعلق بقانون المسطرة الجنائية ( محال على البرلمان )؛ مشروع مدونة الحقوق العينية المتعلقة بالعقارات غير المحفظة،
o مشاريع في طور الإنجاز: إعداد مشروع معاهد تكوين المحامين، مشروع قانون خاص بالتحكيم التجاري، إعادة قراءة لقانون المسطرة المدنية بهدف إدخال التعديلات اللازمة، هذا فضلا عن مساهمة وزارة العدل في عدة أعمال تشريعية أهمها ملاءمة القانون الوطني مع الاتفاقيتين المتعلقتين بالطفل والمرأة: الحالة المدنية، كفالة الأطفال المهملين.
إن الهدف النهائي هو تقوية ثقة المواطنين في العدالة، عدالة رفيعة الأداء، بسيطة في مساطرها، ممكن الولوج إليها، تستجيب لتطلعات المواطنين المشروعة لعدالة أكثر إصلاحا، وأكثر تكيفا مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي لعالم اليوم. وكما عبر عن ذلك صاحب الجلالة الملك محمد السادس في خطابه التاريخي ليوم 01 مارس 2002 أمام أعضاء المجلس الأعلى للقضاء، عدالة “في قلب عملية تغيير المجتمع وتحديثه ودمقرطته”.

تحديث الإدارة القضائية وجودة خدمات العدالة

دور الغرفة الإدارية بمحكمة النقض في حماية الإستثمار

دور الغرفة الإدارية بمحكمة النقض في حماية الإستثمار



مقـدمـة:
إذا كان الاستثمار من الدعامات الأساسية للتنمية، فإن استقطابه والمحافظة عليه وتحفيزه يتطلب توفير مناخ سليم وشفاف، بتوفير مقوماته الضرورية من تأهيل للعنصر البشري وتوفير للوعاء العقاري، وتبسيط للمساطر الإدارية، ووضع إطار قانوني محفز وملائم ما دام أن الرأسمال هو بطبيعته متحرك يبحث عن الأمن والاستقرار لتحقيق الربح وإنشاء الثروة، وأن المستثمر أثناء دراسته القبلية لمشروعه يفترض أسوا الاحتمالات التي يمكنها أن تواجهه أثناء تنفيذه، مما يتطلب طمأنته ومنحه ضمانات في الجانب المتعلق بسيادة القانون في حالة اي نزاع محتمل ووارد، سواء مع عماله أو مورديه أو كافة المتعاملين معه، أو مع الإدارات التي يرتبط بها استثماره “كإدارة الجمارك أو الضرائب أو الإدارات المانحة للرخص الإدارية مثلا”.
ومبدأ سيادة القانون لا يمكن أن يتحقق إلا بوجود قضاء نزيه، محايد، متخصص وفعال، وخلافا للتعريفات التقنية التي تحصر وصف الاستثمار في المشاريع ذات الرساميل المرتفعة، والمولدة لعدد معين من مناصب الشغل، فإنني اعتبر بأن حماية القضاء للاستثمار تنسحب على كل أصنافه انطلاقا من أصغر كشك إلى أكبر شركة (هولدينغ)،كما أنها تنسحب على المستثمر المواطن أو الأجنبي على حد سواء، إذ بحماية الأول بالقانون، تتحقق حماية وجذب الثاني.
وهذه التوطئة تقودنا إلى موضوع العرض المنصب على “دور الغرفة الإدارية بمحكمة النقض في حماية الاستثمار”.
فمحكمة النقض باعتبارها قمة الهرم القضائي المغربي، والساهرة على حسن تطبيق القانون وتوحيد الاجتهاد القضائي لكافة محاكم المملكة، انخرطت منذ سنوات في عملية تحديث شاملة، انصبت على تجويد الخدمات والأداء واعتماد التقنيات الحديثة والانفتاح على طاقات قضائية جديدة بهدف التلاقح مع الكفاءات المخضرمة، كما اعتمدت محكمة النقض خيار التكوين المستمر، والانفتاح على التجارب المقارنة بالمشاركة الفعالة في كافة الملتقيات القانونية الاقليمية والدولية مما حقق لها، وبواسطتها للملكة المغربية، إشعاعا دوليا مشهودا به.
أما الغرفة الإدارية باعتبارها إحدى مكونات محكمة النقض، فإن دورها في حماية الاستثمار ينبثق من الاختصاصات الموكولة لها قانونا، والتي تشمل البت في كافة المنازعات الإدارية كمحكمة نقض، أو كمحكمة موضوع بالنسبة لإلغاء صنف من القرارات الإدارية المنصوص عليها في المادة 9 من القانون رقم 90-41 المحدث للمحاكم الإدارية، وهكذا سنعرض بعض المبادئ التي كرستها – وهي غيض من فيض – لتوضيح وبيان هذه الحماية القضائية، والتي هي قبل كل شيء تطبيق للقانون.
وبداية نعرض نموذجا يتمثل في مجموعة ملفات متشابهة وتتلخص وقائعها في قيام جماعة حضرية بإقامة حائط عازل أمام مجموعة من المحلات التجارية ذات الأنشطة الاقتصادية المختلفة، وبعد لجوء أصحاب هذه المحلات التجارية إلى القضاء، قضت المحكمة الإدارية بتعويضهم بعد إجراء الخبرة، بتعويضات متفاوتة حسب حجم الضرر اللاحق بكل محل، إلا أن محكمة الاستئناف الإدارية ألغت تلك الأحكام، وقضت برفض طلباتهم بعلة أن الحق في التعويض لا يثبت ألا إذا كان الجدار العازل قد أغلق جميع المنافذ المؤدية إلى تلك المحلات، وأنه يمكن الولوج إليها بعد قطع مسافة معينة، إلا أن الغرفة الإدارية كان لها موقف مغاير وهو أن مسؤولية الإدارة في النوازل المعروضة تقوم بدون خطأ، ما دام أن الضرر اللاحق بالتجار المدعين غير عادي وخاص، ويتجاوز الحد الذي يمكن تحمله في سبيل المصلحة العامة، وأن محكمة الاستئناف الإدارية، باعتبارها كون إقامة الجدار العازل على النحو المبين لا يرتب ضررا بالمفهوم القانوني الموجب للتعويض، ومن دون أن تحقق في ذلك الضرر، أو تبرز عناصره، فإنها لم تجعل لقرارها أساسا من القانون، وقضت بنقض القرارات الصادرة في الموضوع ومن بينها على سبيل المثال “القرار عدد 39 بتاريخ 24/04/2014 في الملف الإداري رقم 275/4/3/2012 (منشور بمجلة قضاء محكمة النقض – العدد 77 – ص 250)”.
كما أنه في ميدان المنازعات الجمركية: أكدت الغرفة الإدارية كون إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة، وإن كانت تحتفظ بحقها في التأكد من صحة وصدق أي بيان أو وثيقة أو إقرار يقدم لأغراض تحديد القيمة في الجمرك، فإنه لا يوجد ما يمنع المحكمة في حالة المنازعة في الرسوم الجمركية، من الأمر بأي إجراء من إجراءات التحقيق، ومنها الخبرة الفنية لتحديد القيمة الحقيقية في الجمرك عند الاستيراد “القرار عدد 128 الصادر بتاريخ 07/02/2013 في الملف رقم 81/4/1/2011 – قرار غير منشور”. كما قررت أيضا كون تصنيف البضائعوتطبيق التعريفة الجمركيةالمحددة قانونا على كل صنف معين من البضائع هو مسألة قانون، إلا أن تحديد نوعية البضاعة وطبيعتها لتطبيق التصنيف المحدد قانونا، ومن ثمة التعريفة الجمركية المطابقة للتصنيف المذكور يعتبر مسألة واقع يمكن للمحكمة الاستعانة في شأنها بذوي الاختصاص من الخبراء دون أن يشكل ذلك حسما من الخبراء في مسألة قانون”القرار عدد 593 الصادر بتاريخ 06/12/2012 في الملف رقم 89/4/2/2012 (قرار غير منشور)”. وفي قرار آخر خلصت الغرفة الإدارية إلى أن البضاعة موضوع الرسوم الجمركية القائم بشأنها النزاع كانت موضوع تصريح مفصل من طرف الطالب، وأن الخلاف حول تلك الرسوم كان هو السبب في عدم استيفاء الإجراءات الجمركية، وحيازة البضاعة ممن له الحق فيها، بمعنى أنها لا تعتبر بضاعة متخلى عنها بمفهوم المقتضى القانوني المشار اليه في المادة 106 من مدونة الجمارك، وبالتالي فإن إمكانية بيعها من طرف الإدارة تعتبر غير قائمة لانتفاء شروط تطبيقها “القرار عدد 841/1 الصادر بتاريخ 26/06/2014 في الملف رقم 1512/4/1/2011 (قرار غير منشور)”.
أما في ميدان التعمير: وهو مجال خصب للنزاعات الإدارية بين الإدارة والمستثمرين، فإن الغرفة الإدارية اعتبرت كون قرينة مشروعية القرار الإداري تزول بصدور قرار قضائي نهائي بشأن عدم مشروعيته، والتي تولد بالتالي مسؤولية الإدارة، وأن المحكمة مصدرة القرار المطعون فيه بتحققها من عدم مشروعية قرار إيقاف البناء الصادر عن المجلس البلدي بعد إخضاعه لرقابة القضاء الإداري، وترتيبها أحقية المتضرر منه في التعويض فإنها تكون قد طبقت صحيح القانون “القرار عدد 108/2 بتاريخ 21/02/2013 في الملف رقم 1181/4/1/2011 (قرار غير منشور)”.
كما أكدت في قرار آخر على أنه باستثناء الحالة المنصوص عليها في الفصل 80 من القانون رقم 12/90 المتعلق بالتعمير – أي البناء فوق الأملاك العامة -، والتي يمكن فيها للسلطة المحلية الهدم التلقائي للبناء على نفقة المخالف، فإن كل هدم للبناء المعتبر مخالفا لضوابط التعمير، لا يتم إلا بناء على حكم قضائي يجري تنفيذه … ورتبت على قيام السلطة المحلية بهدم بناء في غير ما ذكر قيام الخطأ المرفقي في حقها، وأحقية المتضرر في طلب التعويض عنه “القرار عدد 605 بتاريخ 13/12/2012 الصادر في الملف رقم 1473/4/2/2011 (قرار غير منشور)”.
كما أن الغرفة الإدارية، وفي نزاعات متشابهة، ألزمت شركة العمران بالتقيد بتدرج الجزاءات وذلك بضرورة فرض ذعيرة على المستفيد من قطعة أرضية مخصصة للاستثمار، لمدة معينة قبل القيام بفسخ عقد البيع بدلا مما كانت تتمسك به الشركة المذكورة من أن فرض الغرامة قرر لمصلحتها فقط وأن العقد يسعفها في فسخ البيع مباشرة “القرار عدد 163/1 الصادر بتاريخ 12/12/2013 في الملف رقم 1656/4/1/2012 (قرار غير منشور)”.
أما في مجال الصفقات العمومية: فبالنسبة لدفاتر الشروط الإدارية العامة، أكدت الغرفة الإدارية أنها وإن كانت تحتوي على القواعد العامة والأساسية التي ينبغي احترامها في صفقات الدولة، وكون أنه يجب التنصيص في العقد على الإحالة عليها، فإن نصوصها تبقى ذات صبغة تعاقدية، أي أنه يمكن بمقتضى دفاتر الشروط الخاصة العدول عن بعض أحكامها والإبقاء على أخرى، وأن المصادقة على هذا النوع من الدفاتر تتم بقرار من السلطة المختصة، وبالتالي اعتبرت كون محكمة الموضوع التي احتسبت غرامات التأخير على أساس دفتر الشروط الإدارية الخاصة فيه تطبيق سليم لعقد الصفقة “القرار عدد 437/1 الصادر بتاريخ 10/04/2014 في الملف رقم 2155/4/1/2012 (قرار غير منشور)” وفي نفس القرار أوردت الغرفة الإدارية بأن المحكمة لما اعتبرت كون المنازعة لم تكن ناشئة سوى عن تقدير الإدارة الخاطئ لمبلغ الغرامات، وأن هذا التقدير الخاطئ لا يمكن أن يحجب حق المقاولة في الحصول على مستحقاتها داخل الأجل، فإنها تكون قد عللت قرارها تعليلا سليما وبناء على ذلك رفض الطعن بالنقض.
وقد أكدت الغرفة الإدارية دوما كون مبدأ استمرارية المرفق العام هو من المبادئ العامة وبالتالي اعتبرت أنه لا يجوز التمسك بأن التعاقد كان مع رئيس سابق للجماعة المعنية بالنزاع، وحسمت في أحقية المقاولة المتعاقدة في الحصول على مستحقاتها “القرار عدد 600 الصادر بتاريخ 08/25/2014 في الملف رقم 1111/4/1/2012 (قرار غير منشور)” وبالنسبة لمحاضر التسليم اعتبرت الغرفة الإدارية، أن محضري التسليم المؤقت والنهائي لئن كانا لا يشيران إلى طبيعة ونوعية وحجم الأشغال المنجزة من طرف المقاولة، إلا أنهما يتضمنان إشارة صريحة إلى أن هذه الأخيرة قد أنجزت الأشغال الموكول إليها القيام بها في إطار الصفقة، وذلك وفق الشروط والمواصفات المتفق عليها بدفتر الشروط الإدارية العامة، ومن ثمة فإن حجية المحضر تنسحب إلى مجموع الأشغال المنجزة سواء في إطار الصفقة الأصلية أو في إطار ملحقاتها، وأكدت الغرفة الإدارية في نفس القرار بأن قيام المقاولة بإنجاز أشغال إضافية، مهما بلغ حجمها، بناء على تكليف من صاحبة المشروع، وفي غياب احترام قواعد التعاقد المقررة قانونا في هذا المجال، لا يخول الإدارة التمسك بوجوب التقيد بها ما دام أنها هي التي اختارت التخلي عنها “القرار عدد 434/2 الصادر بتاريخ 04/07/2013 في الملف رقم 361/4/1/2011 (قرار غير منشور)”.
وبالنسبة لفوائد التأخير: أكدت الغرفة الإدارية بأنه من شروط الاستجابة لطلبها أن يكون التأخير في الأداء منسوباللإدارة وحدها، وأن تكون المبالغ المطالب بفوائد التأخير بشأنها تتعلق بأشغال تم إنجازها بالفعل وتمت معاينتها”القرار عدد 481/1 بتاريخ 17/04/2014 في الملف رقم 2646/4/1/2012 (قرار غير منشور)”. كما قررت بأن امتناع الإدارة عن الأداء بحجة وجود عيوب يجب إصلاحها يتنافى وقانون الصفقات والقواعد العامة، التي توجب حسن تنفيذ الالتزام من الجانبين، سيما وأنه خول للإدارة حق الإصلاح بنفسها أو بواسطة التعاقد مع الغير على نفقة المقاول، وفق شروط معينة، إن ثبت امتناع هذا الأخير عن الإصلاح، وبالتالي أعطت للمقاولة الحق في طلب رفع اليد عن الضمانة البنكية حال ثبوت التسليم النهائي للأشغال وانصرام أجل ثلاثة أشهر “قرار صادر بغرفتين بتاريخ 30/01/2008 تحت عدد 61 في الملف الإداري رقم 1115 و1235/4/1/2006″،كما أكدت الغرفة الإدارية في قرار آخر كون مسطرة المطالبة الإدارية المنصوص عليها في المادتين 50 و51 من دفتر الشروط الإدارية العامة لا تتعلق سوى بإمكانية المطالبة بالتعويض أمام الإدارة، وليس من شأنها الحد من حق اللجوء إلى القضاء للمطالبة بالمستحقات الناتجة عن الأشغال الأصلية والإضافية “القرار عدد 415 الصادر بتاريخ 5 مارس 2015 في الملف رقم 925/4/1/2012 (منشور بنشرة قرارات محكمة النقض – العدد 24 – ص 143)”.
وفي إطار حماية المقاولة في الإجراءات التعسفية للإدارة: أقرت الغرفة الإدارية أحقية مقاولة في الحصول على تعويض مالي نتيجة الأضرار اللاحقة بها جراء قيام الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بالحجز على منقولاتها بدعوى تحصيل مبالغ ومستحقات ثبت كونها أدتها سابقا “القرار عدد 518/1 بتاريخ 06/06/2013 في الملف رقم 56/4/2/2012 (قرار غير منشور)”.
وفي قرار آخر قررت الغرفة الإدارية أحقية شركة للنقل بواسطة الحافلات عبر المدن في التعويض عن الخسائر اللاحقة بها والمتمثلة في انخفاض رقم معاملاتها، وذلك في مواجهة وزارة النقل نتيجة الترخيص لشركة نقل أخرى تستغل نفس الخطوط بتحويل توقيت انطلاق حافلاتها، وهي أضرار تحققت منها محكمة الموضوع عن طريق الخبرة “القرار عدد 460/2 بتاريخ 08/05/2014 في الملف رقم 2673/4/2/2012 (قرار غير منشور)”.
وأضيف في الأخير قرارا حديثا للغرفة الإدارية أدرجه ضمن الجهود المبذولة لحماية الاستثمار والذي رتب مسؤولية الدولة عن الأضرار الناجمة عن أعمال الشغب والإحراق والنهب، معتبرا بأن مسؤوليتها قائمة بدون خطأ في إطار التضامن الوطني، بصرف النظر عن قيام الخطأ في جانب مرفق الأمن من عدمه، مع تأكيد أحقيتها في الرجوع على المتسبب في الضرر “القرار عدد 4 بتاريخ 8 يناير 2015 في الملف الإداري رقم 2166/4/2/2013 (منشور بنشرة قرارات محكمة النقض – الغرفة الإدارية – العدد 24 – ص 156)”.
وأعتبر أنه خير ما اختتم به هذا البحث المتواضع لما فيه من إشارات واضحة وقوية لطمأنة المواطن عامة والمستثمر خاصة في بلد يرفل في الأمن والاستقرار، فاللهم أدمها نعمة.
إعداد:ذ/عبد العتاق فكير_رئيس غرفة بمحكمة النقض
دور الغرفة الإدارية بمحكمة النقض في حماية الإستثمار
جميع الحقوق محفوظة ل DEZIX 2018